ينشأ بصورة موضوعية ، شعور معمّق لديه بالمسؤولية تُجاه هذا المَثل الأعلى لأوّل مرّة في تاريخ المُثُل البشرية ، التي حرّكت البشر على مرّ التاريخ . لماذا ؟
لأنّ هذا المَثَل الأعلى حقيقة وواقع عيني أعلى ، منفصل عن الإنسان ، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي ، فإنّ المسؤولية الحقيقية لا تقوم إلّابين جهتين ، بين مسؤول ومسؤول لديه . إذا لم يكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول ، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأ نّه بين يدي جهة أعلى ، لا يمكن أن يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً ، شعوراً حقيقياً .
مثلًا تلك المُثُل المنخفِضة ، تلك الآلهة ، تلك الأقزام المتعملقة على مرّ التاريخ ، على مرّ المسيرة البشرية ، هي في الحقيقة لم تكن كما رأينا وكما حلّلنا ، إلّاإفرازاً بشرياً ، إلّاإنتاجاً إنسانياً ، يعني أنّها جزء من الإنسان ، جزء من كيان الإنسان ، والإنسان لا يمكن أن يستشعر بصورة موضوعية حقيقية المسؤولية تُجاه ما يفرزه هو ، اتّجاه ما يصنعه هو ،
( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها )
« 1 » . تلك المُثُلصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية ، نعم ، قد تصنع قوانين ، قد تصنع عادات ، قد تصنع أخلاقاً ، ولكنّها كلّها غطاء ظاهري ، وكلّما وجد هذا الإنسان مجالًا للتحلّل من هذه العادات ، ومن هذه الأخلاق ، ومن هذه القوانين ، فسوف يتحلّل .
بينما المَثَل الأعلى لدين التوحيد ، للأنبياء على مرّ التاريخ ، باعتباره واقعاً عينيّاً منفصلًا عن الإنسان ، باعتباره جهة أعلى من الإنسان ، ليس إفرازاً بشرياً ، ليس إنتاجاً إنسانياً . إذاً سوف يتوصّل للشعور بالمسؤولية شرطُه الموضوعي في المقام .
لماذا كان الأنبياء على مرّ التاريخ أصلب الثوّار على الساحة التاريخية ، أنظف الثوّار على الساحة التاريخية ؟ لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كلّ مساومة ، فوق كلّ مهادنة ، فوق كلّ تململ يمنة أو يسرة ؟ لماذا كانوا هكذا ؟ لماذا انهار كثير من
هامش
( 1 ) النجم : 23 .