تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩

المَثل الأعلى للإنسان في نصوص القرآن الكريم

قال اللَّه سبحانه وتعالى :
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )
« 1 »
.
هذه الآية الكريمة تضع اللَّه سبحانه وتعالى هدفاً أعلى للإنسان ، والإنسان هنا بمعنى الإنسانية ككل ، فالإنسانية بمجموعها تكدح نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، والكدح - كدح الإنسانية ككلّ - نحو اللَّه سبحانه وتعالى يعني السير المستمرّ بالمعاناة ، وبالجهد ، وبالمجاهدة ؛ لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً ، بل هو سير ارتقائي ، هو تصاعد وتكامل ، هو سير تسلّق . فهؤلاء الذين يتسلّقون الجبال ليصلوا إلى القمم يكدحون نحو هذه القمم ، يسيرون سير معاناة وجهد . كذلك الإنسانية حينما تكدح نحو اللَّه فإنّما هي تتسلّق إلى قمم كمالها وتكاملها ، وتطوّرها إلى الأفضل باستمرار . وهذا السير الذي يحتوي على المعاناة باستمرار ، هذا السير يفترض طريقاً لا محالة ، فإنّ السير نحو هدف يفترض حتماً طريقاً ممتدّاً بين السائر وبين ذلك الهدف . وهذا الطريق هو الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرّقة تحت اسم : سبيل اللَّه ، واسم الصراط ، واسم صراط اللَّه . هذه الصيغ القرآنية المتعدّدة كلها تتحدّث عن الطريق ، الطريق الذي يفترضه ذلك السير ، وكما أنّ السير يفترض الطريق ، كذلك الطريق يفترض السير أيضاً ، وهذه الآية الكريمة :
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )
. تتحدّث عن حقيقة قائمة ، عن واقع موضوعي ثابت ، فهي ليست بصدد أن تدعو الناس إلى أن يسيروا في طريق اللَّه سبحانه وتعالى ، ليست بصدد الطلب والتحريك كما هو الحال في آيات أخرى في مقامات وسياقات قرآنية أخرى .
هامش
( 1 ) الانشقاق : 6 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 339 | السيد منذر الحكيم