تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
الآية الكريمة لا تقول : يا أيها الناس تعالوا إلى سبيل اللَّه ، توبوا إلى اللَّه ، بل تقول :
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )
. لغةُ الآيةِ لغةُ التحدّث عن واقع ثابت وحقيقة قائمة ، وهي أنّ كل سير وكلّ تقدّم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد ، فهو تقدّم نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، وسير نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، حتّى تلك الجماعات التي تمسّكت بالمُثل المنخفِضة ، وبالآلهة المصطنعة ، واستطاعت أن تحقّق لها سيراً ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل ، حتّى هذه الجماعات التي يسمّيها القرآن بالمشركين ، حتّى هؤلاء هم يسيرون هذه الخطوة نحو اللَّه ، هذا التقدّم بقدر فاعليته ، وبقدر زخمه ، هو اقتراب نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، لكن فرق بين تقدّم مسؤول ، وتقدّم غير مسؤول على ما يأتي شرحه إن شاء اللَّه . حينما تتقدّم الإنسانية في هذا المسار ، واعية على المَثل الأعلى وعياً موضوعياً ، يكون التقدّم تقدّماً مسؤولا ، يكون عبادة بحسب لغة الفقه ، لوناً من العبادة ، يكون لهم امتداد على الخطّ الطويل ، وانسجام مع الوضع العريض للكون ، وأمّا حينما يكون التقدّم منفصلًا عن الوعي على ذلك المَثل ، فهو تقدّم على أيّ حال ، سير نحو اللَّه على أي حال ، ولكنّه تقدّم غير مسؤول على ما يأتي تفصيله . إذاً كلّ تقدّم هو تقدّم نحو اللَّه ، حتّى أولئك الذين ركضوا وراء سراب كما تحدثت الآية الكريمة ، فإنّ هؤلاء الذين يركضون وراء السراب الاجتماعي ، وراء المُثُل المنخفِضة ، هؤلاء حينما يصلون إلى هذا السراب ، لا يجدون شيئاً ويجدون اللَّه سبحانه وتعالى فيوفّيهم حسابهم ، كما تتحدّث الآية الكريمة التي قرأناها فيما سبق . واللَّه سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق ، ولكنّه ليس نهاية جغرافية ، ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية للطرق الممتدّه مكانياً . كربلاء مثلًا نهاية طريق ممتدّ بين النجف وكربلاء ، كربلاء بمعناها المكاني نهاية جغرافية ، ومعنى أنّها نهاية جغرافية أنّها موجودة على آخر الطريق ، ليست موجودة على طول الطريق ، لو أنّ