الذي تنبثق عنه تلك الغايات . لكلّ مجتمع مَثل أعلى ، ولكلّ مَثل أعلى مسار ومسيرة ، وهذا المَثل الأعلى هو الذي يحدّد في تلك المسيرة معالم الطريق .
وهذا المَثل الأعلى على ثلاثة أقسام ، حتّى الآن استعرضنا القسم الأوّل من المُثُل العُليا ، وهو المَثَل الأعلى الذي ينبثق تصوّره عن الواقع ، ويكون منتزعاً عن الواقع الذي تعيشه الجماعة ، وهذا مَثَل أعلى تكراري ، وتكون الحركة التاريخية في ظلّ هذا المَثَل الأعلى حركة تكرارية ، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل . وقلنا :
بأنّ تبنّي هذا النوع من المَثَل الأعلى يعود إلى أحد سببين ، بحسب تصوّرات القرآن الكريم :
السبب الأوّل : سبب نفسي ، وهو الألفة والعادة والضياع .
والسبب الآخر : سبب خارجي ، وهو تسلّط الفراعنة والطواغيت على مرّ التاريخ .
الطابع الديني في المُثُل العُليا المنخفِضة
هذه المُثُل العُليا المنخفِضة المنتزَعة عن الواقع التي تحدّثنا عنها فيما سبق ، في كثير من الأحيان تتّخذ طابع الدين ، ويُسبغ عليها هذا الطابع من أجل إعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة ، كما رأينا في الآيات الكريمة المتقدّمة ، كيف أنّ المجتمعات التي رفضت دعوة الأنبياء كثيراً ما كانت تصرّ على التمسّك بعبادة الآباء ، وبدين الآباء ، بالمَثَل الأعلى المعبود للآباء ، بل إنّ الحقيقة أنّ كلّ مَثل أعلى من هذه المُثُل العُليا المنخفِضة لاينفّك عن الثوب الديني ، سواء ابرز بشكل صريح أم لم يبرز ؛ لأنّ المَثل الأعلى دائماً يحتلّ مركز الإله بحسب التعبير القرآني والإسلامي ، ودائماً تستبطن علاقة الامّة بمَثلها الأعلى نوعاً من العبادة ، من العبادة لهذا المَثل الأعلى ، وليس الدين بشكله العامّ إلّاعلاقة عابد بمعبود .
إذاً المَثل الأعلى لاينفكّ عن الثوب الديني ، سواء كان ثوباً دينياً صريحاً أم ثوباً