دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أخرى ، فهو في جوهره دين ، وفي جوهره عبادة وانسياق ، إلّاأنّ هذه الأديان التي تفرزها هذه المُثُل العُليا المنخفِضة أديان محدودة ، تبعاً لمحدودية نفس هذه المَثل ، لَمّا كانت هذه المُثُل مثلًا منخفِضة ومحدودة ، قد حُوّلت بصورة مصطنعة إلى مُطلَقات ، وإلّا هي في الحقيقة ليست إلّاتصوّرات جزئية عبر الطريق الطويل للإنسان ، إلّاأ نّها حُوّلت إلى مُطلَقات بصورة مصطنعة .
إذاً هذه المحدودية في المُثُل تنعكس على الأديان التي تفرزها ، فالأديان التي تفرزها هذه المُثُل أو بالتعبير الأحرى : الأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المُثُل ، ومن خلال عملقة هذه المُثُل وتطويرها من تصوّرات إلى مُطلَقات ، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة ضئيلة ، أديان التجزئة ، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد ، الذي سوف نتكلّم عنه ، حينما نتحدّث عن مَثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها . هذه الأديان أديان التجزئة ، هذه الآلهة ، الآلهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين ، هي التي يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله :
( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ )
« 1 » ، هذا الإله الذي يفرزه الإنسان ، هذا الدين الذي يصنعه الإنسان ، هذا المَثل الأعلى الذي هو نتاج بشري ، هذا لا يمكن أن يكون هو الدين القيّم ، لا يمكن أن يكون هو المصعِّد الحقيقي للمسيرة البشرية ؛ لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها .
المجتمعات والأُمم التي تعيش هذا المَثل الأعلى المنخفِض المستمَدّ من واقع الحياة ، قلنا بأ نّها تعيش حالة تكرارية ، يعني : أنّ حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية ، وهذه الامّة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر ، وحاضرها إلى المستقبل .
ليس لها مستقبل في الحقيقة ، وإنّما مستقبلها هو ماضيها .
هامش
( 1 ) النجم : 23 .