تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
إطار الواقع الذي تعيشه الجماعة - أيّ جماعة بشرية - ينشأ من حرص أولئك الذين تسلّطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم ، ويضمنوا الواقع الذي هم فيه ، وهم بُناته . هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم . والقرآن الكريم يُسمّي هذا النوع من القوى ، التي تحاول أنْ تحوّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق ، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود ، يُسمّي هذا بالطاغوت . قال سبحانه وتعالى :
( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ )
« 1 » لاحظوا ذكر صفة أساسية مميّزة لِمَن اجتنب عبادة الطاغوت . ما هي الصفة الأساسية المميزة التي ذكرها القرآن ، لِمَن اجتنب عبادة الطاغوت ؟ قال :
( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
. يعني لم يجعلوا هناك قيداً على ذهنهم ، لم يجعلوا هناك إطاراً محدوداً لا يمكنهم أن يتجاوزوه ، جعلوا الحقيقة مدار همّهم ، جعلوا الحقيقة هدفهم ، ولهذا يستمعون القول فيتّبعون أحسنه . يعني هم في حالة طموح ، في حالة تطلّع ، في حالة موضوعية ، في حالة تسمح لهم بأن يجدوا الحقيقة ، وبأن يبتغوا الحقيقة ، بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت ، حينئذٍ سوف يكونون في إطار هذا الواقع ، الذي يريده الطاغوت لهم ، سوف لن يستطيعوا أن يستمعوا إلى القول فيتّبعون أحسنه ، وإنّما يتّبعون فقط ما يراد لهم أن يتّبعوه . هذا هو السبب الثاني لا تّباع وتبنّي هذه المُثُل . إذاً خلاصة ما مرّ بنا حتّى الآن ، أنّ التاريخ يتحرّك من خلال البناء الداخلي للإنسان الذي يصنع للإنسان غاياته ، هذه الغايات تُبنى على أساس المَثل الأعلى
هامش
( 1 ) الزمر : 17 - 18 .