تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
إنّ هذه الإجراءات الثلاثة قد اجتمعت كلّها على الامّة الإسلامية ، إذ سقطت حضارتها أمام الغزوالخارجي ، وبدأت مجموعة من أفراد الامّة تفتّش عن مُثُل عُليا جديدة ومستوردة ، بينما بدأ روّاد الفكر الإسلامي والعلماء من المسلمين بمحاولة صياغة المَثل الأعلى الإسلامي من جديد ، وفق حاجة العصر ومتطلّبات الزمن . 2 - أمّا اختيار المَثل الأعلى المحدود ، وهو الذي يُنتزع من خطوة واحدة من المستقبل ، فهو يُمثّل طموحاً محدوداً مقيّداً ، ولم يستطع أن يتجاوز المسافات الطويلة ؛ لأنّه لا يستوعب برؤيته طريق الكمال الإنساني الطويل ، والإنسان لا يمكنه أن يستوعب المُطلَق ما دام الذهن البشري محدوداً بطبيعته ، وإنّما هو يستوعب نفحة من المُطلَق ، وهذا أمر طبيعي وموضوعي ، ولكن الخطير هنا هو تحويل المحدود إلى مَثل أعلى مطلق . وهذا المَثل الأعلى المحدود بطبيعته سوف يدفع هذا الإنسان خطوة نحو الأمام ، ولكن سرعان ما ينتهي عند حدوده القصوى ، فيتحوّل إلى عائق عن التطوّر بعد أن يستنفد أغراضه ، وبعد أن يصبح واقعاً قائماً ، فيكون مَثلًا أعلى منخفضاً وتكراريّاً للمجتمع ، فتعود كلّ آثاره التي ذكرناها بالتفصيل . إلّا أن يرفع اليد عنه مثلًا ، ويختار أعلى أعلى منه ، ليتخلّص من كلّ تبعاته وآثاره ، ويتبنّى ما يقتضيه المَثل الأعلى الجديد من آثار ونتائج وثمار . 3 - أمّا المَثل الأعلى اللامحدود ، وهو المَثل المُطلَق الحقيقي المنحصر في اللَّه سبحانه وتعالى ، فإنّ اختياره سوف لا يجعل الإنسان ذا هدف محدود ؛ لأنّه المُطلَق الحقيقي بذاته . وليس هذا المَثل الأعلى من نتاج الإنسان نفسه ، كما أنّه ليس تكراراً للواقع ، بل هو موجود مُطلَق في الخارج ، له قدرته المُطلَقة ، وله علمه المُطلَق ، وله عدله المطلق . والذهن البشري ، وإن كان محدوداً لا يحيط بالمُطلَق ، سوف لايفرز تناقضاً حينما يختاره مَثلًا أعلى مُطلَقاً . إنّه يمسك بحزمة من النور المُطلَق ، إلّاأ نّه يميّز بين ما يمسك به ، وبين مَثله الأعلى الموجود خارج حدود ذهنه .