2 - السُنن المُطلَقة
الشكل الثاني الذي تتّخذه السُنن التاريخية : شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحقّقة ، وهذا الشكل أيضاً نجد له أمثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية . مثلًا : العالم الفلكي حينما يصدر حكماً علمياً ، على ضوء قوانين مسارات الفلك ، بأنّ الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني ، أو أنّ القمر سوف ينخسف في اليوم الفلاني ، هذا قانون علمي وقضية علمية ، إلّاأ نّها قضية وجودية ناجزة ، ليست قضية شرطية . لا يملك الإنسان اتّجاه هذه القضية أن يغيّر من ظروفها ، أن يعدّل من شروطها ؛ لأنّها لم تُبيّن كلغة قضية شرطية ، وإنّما بُيّنت على مستوى القضية الفعلية الوجودية : الشمس سوف تنكسف ، القمر سوف ينخسف . هذه قضية فعلية تنظر إلى الزمان الآتي ، وتخبر عن وقوع هذه الحادثة على أيّ حال .
كذلك الأنواء الجوية ، القرارات العلمية التي تصدر عن الأنواء الجوية : المطر ينهمر على المنطقة الفلانية . هذا أيضاً يعبّر عن قضية فعلية وجودية لم تُصغ بلغة القضية الشرطية ، وإنّما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق بلحاظ مكان معيّن وزمان معيّن . هذا هو الشكل الثاني من السُنن التاريخية ، وسوف أشير فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى - عند تحليل عناصر المجتمع - إلى أمثلة هذا الشكل من القرآن الكريم « 1 » .
هذا الشكل من السُنن التاريخية ، هو الذي أوحى في الفكر الاوروبّي بتوهّم التعارض بين فكرة سُنن التاريخ ، وفكرة اختيار الإنسان وإرادته . نشأ هذا التوهّم الخاطئ الذي يقول : بأنّ فكرة سُنن التاريخ لا يمكن أن تجتمع إلى جانب فكرة اختيار الإنسان ؛ لأنّ سُنن التاريخ هي التي تنظّم مسار الإنسان ، وحياة الإنسان ، إذاً ماذا يبقى لإرادة الإنسان ؟
هامش
( 1 ) من الجدير بالذكر أن السيّد الشهيد لم يصرّح في بحثه لعناصر المجتمع بمصاديق الشكل الثاني .