بإمكانه أن يتصرّف بالنسبة إلى الجزاء ، ففي كلّ حالة يرى أنّه بحاجة إلى الجزاء يُعمِل هذا القانون ، يُوفّر شروط هذا القانون ، ففي كلّ حالة يكون الجزاء متعارضاً مع مصالحه ومشاعره ، يحاول الحيلولة دون توفّر شروط هذا القانون . متى ما كان غليان الماء مقصوداً للإنسان يطبّق شروط هذا القانون ، ومتى ما لم يكن مقصوداً للإنسان يحاول أن لاتتطبّق شروط هذا القانون .
إذاً القانون الموضوع بنهج القضية الشرطية موجّه عملي للإنسان في حياته . ومن هنا تتجلّى حكمة اللَّه سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين ، وعلى مستوى الروابط المطّردة ، والسُنن الثابتة ؛ لأنّ صياغة الكون ضمن روابط مطّردة وعلاقات ثابتة ، هو الذي يجعل الإنسان يتعرّف على موضع قدميه ، وعلى الوسائل التي يجب أن يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته ، والوصول إلى إشباع حاجته . لو أنّ الغليان في الماء كان يحدث صدفة ، ومن دون رابطة قانونية مطّردة مع حادثة أخرى كالحرارة ، إذاً لَمَا استطاع الإنسان أن يتحكّم في هذه الظاهرة ، أن يخلق هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجة إليها ، وأن يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها ، إنّما كان له هذه القدرة باعتبار أنّ هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سُنن الكون ، وطرح على الإنسان القانون الطبيعي بلغة القضية الشرطية ، فأصبح ينظر في نور لا في ظلام ، ويستطيع في ضوء هذا القانون الطبيعي أن يتصرّف .
نفس الشئ نجده في الشكل الأوّل من السُنن التاريخية القرآنية ، فإنّ عدداً كبيراً من السُنن التاريخية في القرآن قد تمّت صياغته على شكل القضية الشرطية ، التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين ، أو تاريخيتين ، فهي لاتتحدّث عن الحادثة الأولى ، أنّها متى توجد ومتى لا توجد ، لكن تتحدّث عن الحادثة الثانية ، بأ نّه متى ما وجدت الحادثة الأولى وجدت الحادثة الثانية . قرأنا فيما سبق استعراضاً للآيات
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 260
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٢٦٠