تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
صورة قانون صارم حدّي . وفرق بين الاتّجاه والقانون . ولكي تتّضح الفكرة في ذلك ، لابدّ وأن نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في أذهاننا عن القانون . القانون العلمي كما نتصوّره عادة : عبارة عن تلك السُنّة التي لاتقبل التحدّي من قبل الإنسان ؛ لأنّها قانون من قوانين الكون والطبيعة فلا يمكن للإنسان أن يتحدّاها ، أن ينقضها ، أن يخرج عن طاعتها . يمكنه أن لايصلّي ؛ لأنّ وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانوناً تكوينياً ، يمكنه أن يشرب الخمر ؛ لأنّ حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانوناً تكوينياً ، لكنّه لا يمكنه أن يتحدّى القوانين الكونية ، والسُنن الموضوعية ، مثلًا : لا يمكنه أن يجعل الماء لايغلي إذا توفّرت شروط الغليان ، لا يمكنه أن يتحدّى الغليان ، أن يؤخرّ الغليان لحظة عن موعده المعيّن ؛ لأنّ هذا قانون ، والقانون صارم ، والصرامة تأبى التحدّي . هذه هي الفكرة التي نتصوّرها عادة عن القوانين ، وهي فكرة صحيحة إلى حدّما ، لكن ليس من الضروري أن تكون كلّ سُنّة طبيعية موضوعية على هذا الشكل ، بحيث تأبى التحدّي ، ولا يمكن تحدّيها من قبل الإنسان بهذه الطريقة ، بل هناك اتّجاهات موضوعية في حركة التاريخ ، وفي مسار الإنسان ، إلّاأنّ هذه الاتّجاهات لها شي من المرونة بحيث إنّها تقبل التحدّي ولو على شوط قصير ، وإن لم تقبل التحدّي على شوط طويل ، لكن على الشوط القصير تقبل التحدّي . أنت لا تستطيع أن تؤخّر موعد غليان الماء لحظة ، لكن تستطيع أن تجمّد هذه الاتّجاهات لحظات من عمر التاريخ ، لكن هذا لا يعني أنّها ليست اتّجاهات تمثّل واقعاً موضوعياً في حركة التاريخ ، هي اتّجاهات ولكنّها مرنة تقبل التحدّي لكنّها تحطّم المتحدّي ، حينما يتحدّى هذا المتحدّي تحطّمه بسُنن التاريخ نفسها ، ومن هنا كانت اتّجاهات ، هناك أشياء يمكن تحدّيها دون أن يتحطّم المتحدي ، لكن هناك أشياء يمكن أن تتحدّى على شوط قصير ، ولكن المتحدّي يتحطّم على يد سُنن التاريخ نفسها ، هذه هي طبيعة الاتّجاهات الموضوعية في حركة التاريخ .