اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ )
« 1 » ، بينما يقول في موضع آخر : (
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى )
« 2 » فالعقاب الأخروي دائماً ينصبّ على العامل مباشرة ، وأمّا العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك .
إذاً هاتان الآيتان الكريمتان تتحدّثان عن سُنن التاريخ ، لا عن العقاب بالمعنى الأخروي والعذاب بمعنى مقاييس يوم القيامة ، بل عن سُنن التاريخ وما يمكن أن يحصل نتيجة كسب الامّة ، سعي الامّة ، جهد الامّة .
9 -
( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا )
« 3 »
.
هذه الآية الكريمة أيضاً تؤكّد المفهوم العامّ ، يقول :
( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا )
هذه سُنّة سلكناها مع الأنبياء من قبلك وسوف تستمرّ ولن تتغير . أهل مكّة يحاولون أنّ يستفزُّوك لتخرج من مكّة ؛ لأنّهم عجزوا عن إمكانية القضاء عليك ، وعلى كلمتك ، وعلى دعوتك ، ولهذا صار أمامهم طريق واحد وهو إخراجك من مكّة . وهناك سُنّة من سُنن التاريخ - سوف يأتي إن شاء اللَّه شرحها بعد ذلك - يشار إليها في هذه الآية الكريمة ، وهي أنّه إذا وصلت عملية المعارضة إلى مستوى إخراج النبيّ من هذا البلد ، بعد عجز هذه المعارضة عن كلّ الوسائل والأساليب الأخرى ، فإنّهم لا يلبثون إلّاقليلًا .
ليس المقصود من أنّهم لا يلبثون إلّاقليلًا ، يعني أنّه سوف ينزل عليهم عذاب اللَّه سبحانه وتعالى من السماء ؛ لأنّ أهل مكّة أخرجوا رسول اللَّه بعد نزول هذه السورة ، استفزّوه وأرعبوه ، وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من مكّة إذ لم يجد له ملجأً وأماناً في مكّة ،
هامش
( 1 ) الأنفال : 25 .
( 2 ) الأنعام : 164 ، الإسراء : 15 ، فاطر : 18 ، والزمر : 7 .
( 3 ) الإسراء : 76 - 77 .