تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
بقدر ما تتمكّن وتستقطب الطبيعة ، وتتوصّل إلى وسائل إنتاج أقوى ، وأدوات توليد أوسع ، تكون انعكاسات ذلك على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ، انعكاساته على شكل إمكانيات وإغراءات وفتح الشهيّة للأقوياء ؛ لكي يستثمروا أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء . تصوّروا مجتمعاً يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة ، مثل هذا المجتمع لايتمكّن الأقوياء فيه من أن يمارسوا أدواراً خطيرة من الاستغلال الاجتماعي ؛ لأنّ مستوى الإنتاج محدود ، والقدرة محدودة ، وكلّ إنسان لايكسب عادة بعرق جبينه إلّا قوت يومه ، فلا توجد إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع ، وإن كان توجد ألوان أخرى من الاستغلال الفردي . ولكن لاحظوا من الجانب الآخر مجتمعاً متطوّراً استطاع الإنسان فيه أن يصنع الآلة البخارية والكهربائية ، استطاع فيه أن يخضع الطبيعة لإرادته ، في مثل هذا المجتمع سوف تكون الآلة البخارية والكهربائية المعقّدة المتطوّرة الصنع أداةً ، إمكانيةً على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ، فهي تشكّل قوّة قابلة للاستغلال ، ويبقى أن يخرج ما بالقوّة إلى ما بالفعل ، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية . فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال ، وهو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغلّ حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية ، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال ، هي التي تهيّئ له فرصة ، تفتح شهيّته ، توقظ مشاعره ، وتحرّك جدله الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أن يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة ، من قوى الإنتاج ووسائل التوليد . وهذا هو الفرق بيننا وبين المادّية التاريخية ، إذ المادّية التاريخية اعتقدت بأنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال ، وهي التي تصنع النظام المتناسب لها ، ولكنّنا نحن