هنا يُبيّن الدين كتشريع ، كقرار ، كأمر من اللَّه سبحانه وتعالى ، لكن في مجال آخر يبيّنه سُنّة من سُنن التاريخ ، وقانوناً داخلًا في صميم تركيب الإنسان ، وفطرة الإنسان .
قال سبحانه وتعالى :
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
« 1 »
.
هنا الدين لم يعد مجرّد تشريع ، مجرّد قرار من أعلى ، وإنّما الدين هنا فطرة للناس ، هو فطرة اللَّه التي فطر عليها الناس ، ولا تبديل لخلق اللَّه . هذا الكلام كلام موضوعي خبري ، لاتشريعي إنشائي . لا تبديل لخلق اللَّه يعني : كما أنّك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان أيّ جزء من أجزائه التي تقوِّمه ، كذلك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان دينه . الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مرّ التاريخ ، يمكن إعطاؤها ، ويمكن الاستغناء عنها ؛ لأنّها في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ، ولا تكون خلق اللَّه الذيبديل له ، بل تكون من المكاسب التي حصل عليها الإنسان ، من خلال تطوّراته المدنيّة والحضارية على مرّ التاريخ . القرآن يريد أن يقول بأنّ الدين ليس مقولة من هذه المقولات ، بالإمكان أخذها ، وبالإمكان إعطاؤها ، الدين خلق اللَّه :
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) .
هذا الكلام ( لا ) هنا ليست ناهية بل نافية ، يعني هذا الدين لا يمكن أن ينفك عن خلق اللَّه ما دام الإنسان إنساناً ، فالدين يُعتبر سُنّة لهذا الإنسان .
هذه سُنّة ولكنّها ليست سُنّة صارمة على مستوى قانون الغليان ، سُنّة تقبل التحدّي على الشوط القصير ، كما كان بالإمكان تحدّي سُنّة النكاح ، سُنّة اللقاء الطبيعي ، والتزاوج الطبيعي ، كما كان بالإمكان تحدّي ذلك عن طريق الشذوذ الجنسي لكن على شوط قصير ، كذلك يمكننا أيضاً تحدّي هذه السُنّة على شوط قصير عن طريق الإلحاد ، وغمض العين عن هذه الحقيقة الكبرى ، بإمكان الإنسان
هامش
( 1 ) الروم : 30 .