الأفراد ، تندمج في كيانه كلّ الأفراد ، كلّ فرد يشكّل خليّة في هذا العملاق الواحد ، وهو يتّخذ من كلّ فرد نافذة على الواقع ، على العالم بقدر ما يمكن أن يجسّد في هذا الفرد من قابلياته هو ، ومن إبداعه هو . إذاً كلّ قابلية ، وكلّ إبداع ، وكلّ فكر ، هو قابلية ذلك العملاق ، وإبداع ذلك العملاق ، وفكر ذلك العملاق الطاغية ، وكلّ فرد إنّما هو تعبير عن نافذة من النوافذ ، التي يعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي .
هذا التصوّر اعتقد به جملة من الفلاسفة الاوروبّيين ، تمييزاً لعمل المجتمع عن عمل الفرد ، إلّاأنّ هذا التصوّر ليس صحيحاً ، ولسنا بحاجة إليه ، إلى الإغراق في الخيال ، إلى هذه الدرجة ؛ لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد ، ليس عندنا إلّاالأفراد ، إلّازيد وبكر وخالد ، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم . طبعاً مناقشة ( هيجل ) من الزاوية الفلسفية يخرج عن حدود هذا البحث ، متروك إلى بحث آخر ، لأنّ هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بحسب الحقيقة ، بكامل الهيكل النظري لفلسفته ، إلّاأنّ الشئ الذي نريد أن نعرفه ، نعرف موقع أقدامنا من هذا التصور . هذا التصوّر ليس صحيحاً . نحن لسنا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأسطوري ؛ لكي نميّز بين عمل الفرد وعمل المجتمع . التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع ، يتمّ من خلال ما أوضحناه من البُعد الثالث . عمل الفرد هو : العمل الذي يكون له بُعدان ، فإن اكتسب بُعداً ثالثاً كان عمل المجتمع ، باعتبار أنّ المجتمع يشكّل أرضيّة له ، يشكّل علّة مادّية له ، يدخل حينئذٍ في سجلّ كتاب الامّة الجاثية بين يدي ربّها . هذا هو ميزان الفرق بين العملين .
إذاً الشئ الذي نستخلصه ممّا تقدّم : أنّ موضوع السُنن التاريخية هو العمل الهادف الذي يشكّل أرضيّة ويتّخذ من المجتمع أو الامّة أرضيّة له ، على اختلاف سعة الموجة وضيق الموجة » « 1 » .
هامش
( 1 ) المدرسة القرآنية : ص 79 - 87 .