تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
تؤثّر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة ؛ لأنّها بوجودها الخارجي ، بوجودها الواقعي ، طموح وتطلّع إلى المستقبل ، ليست موجودة وجوداً حقيقياً ، وإنّما تؤثّر من خلال وجودها الذهني في الفاعل . إذاً فالمستقبل أو الهدف الذي يشكّل الغاية للنشاط التاريخي ، يؤثّر في تحريك هذا النشاط ، وفي بلورة هذا النشاط ، من خلال الوجود الذهني ، أي من خلال الفكر ، ضمن شروط ومواصفات ، إذاً حصلنا الآن على مميّز نوعي للعمل التاريخي ، للظاهرة على الساحة التاريخية . هذا المميّز غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى ، على ساحات الطبيعة المختلفة . هذا المميّز ظهور علاقة فعل بغاية ، نشاط بهدف ، بالتعبير الفلسفي : ظهور دور العلّة الغائية ، كون هذا الفعل متطلّعاً إلى المستقبل ، كون المستقبل محرّكاً لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني ، الذي يرسم للفاعل غايته ، أي من خلال الفكر . إذاً هذا هو في الحقيقة دائرة السُنن النوعية للتاريخ . السُنن النوعية للتاريخ موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية ، الذي يُمثّل عملًا له غاية ، عملًا يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية ، وهي العلاقة بالغاية والهدف ، بالعلّة الغائية .

2 - علاقة العمل بالمجتمع

ليس كلّ عمل له غاية فهو عمل تجري عليه سُنن التاريخ ، بل يوجد بُعد ثالث لابدّ أن يتوفّر لهذا العمل ؛ لكي يكون عملًا تحكمه سُنن التاريخ . البُعد الأوّل كان هو الفاعل ( السبب ) . والبُعد الثاني كان هو الغاية ( الهدف ) . لابدّ من بُعد ثالث ، هو أن يكون لهذا العمل أرضيّة تتجاوز ذات العمل ، هي عبارة عن المجتمع . العمل الذي يخلق موجاً ، هذا الموج يتعدّى الفاعل نفسه ، ويكون