تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
والتيارات الأخرى ، التي تكتنف هذا التجسيد ، والتي تُؤيّد أو تُقاوم هذا التجسيد ، حينما تُؤخذ العملية من هذه الزاوية تكون عملية بشرية ، يكون هؤلاء اناساً كسائر الناس تتحكّم فيهم إلى درجة كبيرةسُنن التاريخ ، التي تتحكّم في بقيّة الجماعات ، وفي بقيّة الفئات على مرّ الزمن . إذاً ، عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبيّ صلى الله عليه وآله لها جانبان ، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي ، ومصادر الوحي هي ربّانية ، هي فوق التاريخ ، ولكن من حيث كونها عملًا قائماً على الساحة التاريخية ، من حيث كونها جهداً بشرياً يُقاوم جهوداً بشرية أخرى ، من هذه الناحية يُعتبر هذا عملًا تاريخياً ، تحكمه‌سُنن التاريخ ، وتتحكّم فيه الضوابط التي وضعها اللَّه سبحانه وتعالى ، لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسمّاة بالساحة التاريخية ؛ ولهذا نرى أنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن الزاوية الثانية ، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدّث عن أناس ، يتحدّث عن بشر ، لايتحدّث عن رسالة السماء ، بل يتحدّث عنهم بوصفهم بشراً من البشر تتحكّم فيهم القوانين ، التي تتحكّم في الآخرين . فالكلام هنا كلام مع بشر ، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربّانية ، بل يذهب القرآن إلى أكثر من ذلك ، يهدّد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ ، يُهدّدهم بأ نّهم إذا لم يقوموا بدورهم التاريخي ، وإذا لم يكونوا على مستوى مسؤولية رسالة السماء ، فإنّ هذا لا يعني أن تتعطّل رسالة السماء ، ولا يعني أن تسكت‌سُنن التاريخ عنهم ، بل إنّهم سوف يُستبدلون ، سُنن التاريخ سوف تعزلهم ، وسوف تأتي بامم أخرى ، قد تهيّأت لها الظروف الموضوعية الأفضل ؛ لكي تلعب هذا الدور ، لكي تكون شهيدة على الناس ، إذا لم تتهيّأ لهذه الامّة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة :
( إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
« 1 » ،
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ
هامش
( 1 ) التوبة : 39 .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 161 | السيد منذر الحكيم