وتولّت بنفسها إدارة معظم فروع الإنتاج ، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة ، ولكنّه حيث كان ينفّذ في إطار سلطة فرعونيّة مطلقة لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره . فإنّ التأميم في ظلّ سلطة مطلقة ، تنشئ الملكيّة الجماعيّة لتوسعة الإنتاج لا يمكن أن يؤدّي واقعيّاً إلّاالى تملّك السلطة نفسها ، وتحكّمها في المُمتلكات المؤمّمة ؛ ولهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظّفين ، واستبداد السلطة التي كانت تتجسّد في شخص الملك ، حتّى قفز المَلك إلى درجة ( إله ) ، وأصبحت القوى الهائلة تنفق كلّها لحساب هذا الإله الحاكم ، وتحقيق رغباته من بناء المعابد والقصور والقبور .
ولم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم ، في أقدم العهود الفرعونيّة ، بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسيّة ، في العصر الحديث ، من التقدّم السريع في حركة الإنتاج ، وتمتّع السلطة بقوّة تشتدّ وتنمو بشكل هائل ، وانحرافها واستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤمّمة . فقد تقدّمت حركة الإنتاج في ظلّ التجربة الحديثة للتأميم ، كما تقدّمت في ظلّ التأميم الفرعوني ؛ لأنّ التسخير غير الحرّ في الإنتاج يثمر دائماً التقدّم السريع الموقّت في حركة الإنتاج . ونشأ التأميم في كلّ من التجربتين في ظلّ سلطة عليا لاتعترف لنفسها بحدود ؛ لأنّ التأميم حينما يُقصد منه تنمية الإنتاج فحسب يتطلّب مثل هذه السلطة الحديديّة .
ونتج عن ذلك في كلّ من التجربتين أيضاً ، استفحال أمر السلطة وتمتّعها بالجوهر الحقيقي للمُلكيّة ؛ لأنّ التأميم لم يقم على أساس روحي ، أو قناعة بقيَم خُلُقيّة للإنسان ، وإنّما قام على أساس مادّي لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج ، فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضاً بين هذا الهدف المادّي ، وبين ما تحيط به نفسها من امتيازات ومتعة . ومن الطبيعي أيضاً أن لايقرّ الجهاز الحاكم الملكيّة العامّة عمليّاً ، إلّافي حدود الدافع المادّي الذي يدفعه إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته .
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 136
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص١٣٦