وربّما كان لتفريق علماء السنّة بين المفهومين أثره في هذا التحول ، إنّنا نجد الغزالي مثلًا في كتابه المعروف ( المستصفى ) لم يستعمل الكلمة في خصوص اجتهاد الرأي ، كذلك ابن الحاجب في ( مختصره ) الذي شرحه العضدي .
ويرى المرحوم الشهيد المطهري أنّ روح التقارب كانت سائدة رغم الخلاف ، فبمجرد أن ينفتح باب التقارب باتّساع مفهوم مثلًا يتم التقارب بشكل طبيعي ، والاجتهاد أحد موارده ، والاجماع كذلك فإن مدرسة أهلالبيت ( عليهم السلام ) ترفض النظر للاجماع حجّة برأسه ولكنها طرحته وقبلته بعد اتّساع مفهومه لشمول الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم . ومن ذلك اعتبار الأدلة أربعة قياساً على الأدلة الأربعة لدى المدرسة السنّية ، ولكن بتبديل القياس أو الاجتهاد إلى العقل ولكن في أحكامه القطعية الكاشفة عن الحكم الشرعي عبر قاعدة التلازم .
والملاحظ أنّ كل علماء الإمامية الذين حمّلوا على الاجتهاد كانوا - كما هو الظاهر - يطبّقون العملية الاجتهادية بمعناها الأعم .
والملاحظ - أيضاً - أنّ المسيرة الاجتهادية الممتدة والمفتوحة لدى مدرسة أهلالبيت ( عليهم السلام ) واجهت - بالإضافة للعرقلة السابقة الناشئة من شيء من الخلط بين المفهومين العام والخاص للاجتهاد - حالتين أخريين كادت الثانية منهما تعصف بالمسيرة الاجتهادية على الاطلاق وتغلق الباب تماماً .
أما الأولى : فكانت الفترة التي تلت حياة شيخ الطائفة ( رحمة الله عليه ) فقد كانت عظمة هذا الرجل ومؤلّفاته وشخصيته مسيطرة إلى الحد الذي امتنع معه العلماء بعده من اظهار أي نظر جديد . وكان هذا الوضع سائداً حتى بزغ نجم العالم الجليل ابن إدريس الحلّي فراح يتحدّى ذلك الوضع ويسدي بذلك خدمة كبرى لمسيرة الاجتهاد .
وأما الثانية : فكانت الحركة الإخبارية التي بدأت منذ حوالي أربعة قرون على يد الشيخ الملّا أمين الأسترآبادي الذي استطاع أن يجذب إليه بعض العلماء وقد امتازت مدرسته بالوقوف ضد حجّية الحكم العقلي مطلقاً ، ورفض الاجماع ، بل وحتى التوقف
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها — صفحة 93
مساهمون: الشيخ محمد علي التسخيري
ص٩٣