فأتياه فقالا ، يا أمير المؤمنين : ألسنا محقين ؟ قال : بلى ، قالا : أوليسوا مبطلين ؟ قال : بلى . قال : فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ، تشتمون وتتبرأون ، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن عملهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر ولو قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به كان هذا أحب إلي وخيراً لكم « 1 » .
وهكذا نجد الأئمة يؤكدون على العلاقات الحسنة ، والتعامل الايجابي ، وعدم الغرق في نزاعات غير عملية ، وعدم الإساءة والإهانة ، والدخول في قلب العمل الاجتماعي ، وعدم الاعتزال نتيجة الايمان برأي يخالف الأكثرية من الناس ، والسعي للتأدب بأدب الأئمة ، وعدم الغرور العلمي ، وعدم جعل الاختلاف في الرأي سبيلًا للتدابر ، والدخول في جماعة المسلمين ، واجتناب العصبية واجترار حب الناس وأمثال ذلك .
بين العلماء من اتباع المذاهب
ورغم احتدام الخلاف الفكري بين العلماء من اتباع المذاهب فإننا نلاحظ في كثير من الأحيان علاقات صفاء ومحبة وتمازج عجيب إلى حد كبير ، يدرس بعضهم على بعض ، ويدرّس البعض فقه المذاهب الأخرى ، وينقل مناهجهم إلى مذهبه ويطلب بعضهم الإجازة من البعض الآخر . وهناك مجموعة رائعة من كتب الفقه المقارن ، ونقل رائع لآراء الآخرين .
وهكذا كان الشيخ المفيد منفتحاً على اتّباع المذاهب وكان له شيوخ وتلامذة من
هامش
( 1 ) - وقعة صفين لنصر بن مزاحم طبعة بصيرتي قم ص 103 ، بحار الأنوار ج 32 ص 399 ، جامع أحاديث الشيعة للبروجردي ج 15 ص 519 ، المعيار والموازنة للإسكافي ص 137 ، الاخبار الطوال للدينوري ص 165 .