كان الشيخ شلتوت شجاعاً في رأيه عندما أعلن هذه الفتوى التاريخية ، كما كان شجاعاً في رأيه عندما أعلن للمرّة الأولى ، ووسط غبار المناقشات المحتدمة حول قضية الربا في الإسلام ، أنّ أرباح صناديق التوفير ليست حراماً ، لأنّها ليست فائدة لدين حتى تكون ربا ، كما أنّها ليست منفعة جاءت من قرض حتّى تكون حراماً ، ولم يكن أحد قبل الشيخ شلتوت يملك شجاعة إصدار هذه الفتوى في مواجهة تيار قوي من الفقهاء المحافظين الذين كانوا يدعون إلى تحريم صناديق التوفير .
وبفضل شجاعة الشيخ شلتوت أصبح الأزهر رمزاً لاكتمال العلم ، ورمزاً للسماحة ، ورمزاً للتقريب بين المذاهب . . ، وعرف الفقه الشيعي طريقه إلى الأزهر ، وأصبح واحداً من المذاهب المعترف بها التي يتمّ تدريسها في مجال الفقه المقارن ، ولم يعد ممكناً لأيّ طالب علم أو بحث أن يكمل بحثه أو دراسته دون الرجوع إلى مذهب الشيعة حتى تكتمل للمقارنة أركانها الصحيحة ، ويصبح قادراً على ترجيح رأي دون آخر .
ولست أعرف الأسباب التي دعت طهران إلى تجهيل دور الإمام القمي في التقريب بين السنّة والشيعة ، وإبراز دور الإمام البروجردي وهو دور على أهمّيته يقلّ كثيراً عن دور القمي الذي لعب الدور الأكبر في إقناع شيوخ الأزهر ، وكان له فضل إنشاء دار التقريب بين المذاهب في القاهرة مع عددٍ من شيوخ الأزهر ، وإصدار مجلّة شهرية كان يحرّرها عدد من علماء الشيعة والسنّة ، واستمرّ في مسعاه . . . وهو المسعى الذي أتى ثماره في فتوى الشيخ شلتوت التاريخية عام 1961 بعد نهاية حكم فاروق بتسع سنوات .
وأيّاً كانت الأسباب والظروف ، فالواضح أنّ جهود التقريب لم يكن ممكناً أن تكلّل بالنجاح لولا اتّفاق علماء الشيعة والسنّة يومها على أنّ التقريب بين المذهبين لا يعني اندماجهما ، أو تذويب مذهب في مذهب ، ولكنّه يعني توسيع مساحة الاتّفاق بين الشيعة والسنّة والتي تصل إلى 95 % من جملة قضايا الإسلام الأساسية
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 463
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٤٦٣