وفي ضوء ما سبق ، وفي إطاره الواضح المستقيم ، يصبح الخلاف الفقهي المذهبي وسيلةً من وسائل القوة العلمية والسماحة الفكرية ، متمشّياً مع طبيعة الإسلام العالمي الدعوة التي تعمّ البشر جميعاً ، ويتفرّغ المسلمون لما هو أولى بهم من التعرّف على أسباب نصرة الدين وإصلاح حال المسلمين .
وإنّني في هذا اليوم أتذكّر علمين من أعلام التقريب ، ملكا فكراً حراً وجرأةً في الحقّ لاتباري ، أولهما : فضيلة الإمام الشيخ محمود شلتوت الذي ولد في بلدة منية بني منصور ، مركز ايتاي البارود ، محافظة البحيرة ، جمهورية مصر العربية في 22 / 4 / 1893 م ، حفظ القرآن الكريم وعمره اثنا عشر عاماً ، نشأ في أُسرة دينية ، فوالده تخرّج في الأزهر وجدّه أيضاً ولا يوجد منزل في عائلته إلّاوفيه عالم أو حافظ للقرآن الكريم .
تخرّج في الأزهر سنة 1918 م ، وتنقّل في التدريس إلى أن نُقل إلى القسم العالي بالقاهرة سنة 1927 م ، وكان داعية إصلاح ، نيّر الفكر ، سعى إلى إصلاح الأزهر ، وفُصل هو ومناصروه ، فعمل بالمحاماة ، وأُعيد إلى الأزهر وعيِّن وكيلًا لكلّية الشريعة ، وكان عضواً في هيئة كبار العلماء ، وكان خطيباً موهوباً ، له ستة وعشرون مؤلّفاً في التفسير وشتّى فروع الثقافة الإسلامية ، وله اجتهادات لم يسبق إليها ، منها فتواه الشهيرة التي أصدرها فضيلته وهو شيخ الجامع الأزهر بجواز التعبّد على أيّ مذهبٍ من المذاهب الإسلامية التي عُرفت أُصولها ، ونقلت نقلًا صحيحاً ، فلقد كانت هذه الفتوى ثمرةً يانعةً من ثمار التقريب ، صدرت من رجل عظيم ذي مركز خطير في الاسلام ، اعتنق الفكرة من أول يوم .
والثاني : هو السيد الحبر آقا حسين الطباطبائي البروجردي ، ولد في بروجرد غربي إيران من أُسرة عُرفت بطول باعها وسعة معارفها في الشريعة الاسلامية ، ولا غرو أنّ الأُسرة الطباطبائية من صلب الإمام جعفر الصادق الرائد الأول للمذهب الجعفري ، الإمام السادس عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وهم الأقرب في مذهبهم
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 445
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٤٤٥