فالجملة الأولى من الآية تقرّر حقيقةً من الحقائق الثابتة :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ »
أي : أنّ هذا شأنهم ، وتلك حقيقة أمرهم ، فليس للمسلمين بعد هذا أن يسيروا إلى هدفٍ يخالف هذا الهدف ، ولا أن يخرجوا عن مقتضيات هذه الأُخوة لأيّ سبب من الأسباب .
والجملة الثانية تأمر بإصلاح ذات البين ، أي بأن يدرأ المسلمون عن أنفسهم كلّ ما يفسد علاقة الأُخوّة التي قرّرها اللَّه بينهم ، ومن أجل ذلك جاء تحذير رسول اللَّه ( ص ) إذ يقول : « إنّ فساد ذات البين هي الحالقة » .
والجملة الثالثة من هذه الآية الجامعة تأمر بأن يكون الإصلاح بين المسلمين في ظلٍّ من تقوى اللَّه ، فتحذر بذلك من اتّباع الهوى ، والتواء القصد ، وأن يزعم فريق منهم أنّه ما يريد إلّاالإصلاح ، بينما هو يريد التعقيد واللجاجة بالباطل ، فإنّ اللَّه عليم بذات الصدور ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
والجملة الرابعة : هي جملة الختام ، يوجّه اللَّه فيها رجاءنا إلى ثمرة هذه الدعوة فيقول : « لعلّكم ترحمون » وما الرحمة في هذا المقام إلّاتيسير اليسرى لمن استقام على الطريقة المثلى . . .
تلك هي دعوة التقريب في أساسها ومنهجها وثمرتها .
إنّ فكرة التقريب بين المذاهب الاسلامية لا تعني توحيد المذاهب الإسلامية ، ولا صرف أيّ مسلم عن مذهبه ، ففكرة توحيد المذاهب أو إدماجها عمل ضدّ العقل ، وضدّ طبيعة البشر ، كما أنّ صرف المسلم عن مذهبه تحت شعار التقريب تضليل .
وفكرة التقريب كما شرحها روّادها ، وكما يجب أن تكون ، هي تذكير المسلمين بنقاط الوفاق بينهم ، وهي كثيرة ، كما أنّها في أُصول الدين وثوابته .
أمّا نقاط الخلاف فهي فرعية ، لا ينبغي أن تسبب تباعداً أو شقاقاً ، ولذلك فإنّ الاجتماع على فكرة التقريب يجب أن يكون أساسه البحث والإقناع والاقتناع ، حتّى يمكن بسلاح العلم والحجّة محاربة الأفكار الخرافية الطفيلية التي لاتعيش إلّا في ظلّ الأسرار والأجواء المظلمة .