لقد كان أقدر على تفهّم طبيعة أبي بكر ، وأعلم بأنّه لا يعود فيما اعتزم وأبرم ، فلات حين مآب !
لكنّه أحبّ - باستفسارها في تلكم الآونة - أن يسري عنها بعض التسرية ، فيفسح لها في الكلام عسى أن تنفّس من خلاله عن همّها الحبيس .
وسمعها تميل عليه بالخطاب ، أخذت تعاتبه من قلب منفطور ، ملؤه أحزان نابغيه الألم ، بعبارات حرّى ، تشتعل في ألفاظها الحروف ، لكنّ عتابها ذاك الذي راحت تبثّه إيّاه ، كان عتاب وامق مشفق ، ليس لوم لائم زار ، ولا تثريب قالٍ غضوب .
قالت له وكأنّ حديثها بكاء :
« أضرعت خدّك يوم أضعت جدك ، ما كففت قائلًا ولا أغنيت طائلًا ليتني متّ قبل هنيئتي ودون ذلّتي ! عذيري اللَّه منه عادياً ، ومنك حاميا ! ويلاي في كلّ شارق ، ويلاي في كلّ غارب ، مات العمد ووهن العضد ، شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربّي . . . » .
* * * كانت كلماتها العاتبة تتساقط من شفتيها كقطرات دموع .
ومع ذلك فقد كانت تعلم أنّ زوجها فوق هذا العتاب ، وكلّ عتاب .
ولئن كانت الخلافة فاتته لحظة أن قبض يده عن بيعة العباس وأبي سفيان يوم توفّي رسول اللَّه ، فالقبض كان هو الأحرى به في ذلك المقام . . . أم كان يدع جثمان الرسول لم يجهّزه لرحلته الأخيرة ، ثم ينازع الناس تراثه وسلطانه ؟ أم كان يقبل أن يُبايَع من وراء أظهر المسلمين ، فتكون البيعة من خلف رتاج ؟
بل كان واثقاً أنّه الأولى بالخلافة ، بلا منازع ولا نزاع . . . وأنّ الإمرة له لا محالة ، سارع فصفّق على يدي شيخي قريش أو استأخر إلى حين . . . وأنّ حقّه فيها يقين من يقين ، ليس فقط بحكم قرابته من حامل الرسالة ، بل فوق هذا وقبله بحكم
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 696
مساهمون: شوقي محمد
ص٦٩٦