وكآخر خفقة تلفظها ذبالة السراج قبل أن ينطفئ ، لمعت عبرتان على حافتي جفنيها ، لا تتحدّران إلى وجنتيها ، وإنّما تعلّقتا بأهدابها الوطفاء « 1 » السود .
ومالت بصفحة وجهها إلى حيث مرقد الرسول ، وتحرّكت شفتاها وإن لم تنسبا بكلام ، كانتا ترتعدان أوتهينمان « 2 » ، حديثها أسىً بليغ . . . وصوتها صمت وقور . . .
لكأنّما كانت تهمس لأبيها بسرٍّ لا تريد أن يشاركه سواه فيه .
ومع ذلك فقد ارتجّت قلوب الجماهير في الصدور ، وفاضت العيون بالدموع ، وعلا النواح والعويل .
فلم يُر أكثر باكياً ولا باكية من ذلك النهار .
* * * ولمّت ثوبها على جسدها النحيل ، وفي هدوء حزين بارحت المكان ، والزحام حولها بحر لجّي من الأنين ، ينفلق أمام هيبتها فلقين ليفسح لها الطريق ، كما انفلق البحر لعصا موسى الكليم .
وعندما انكفأت إلى دارها ، واستقرّ بها المجلس ، أقبل عليها زوجها يستنبئها خبر ذلك اللقاء .
فترّيثت ملياً لتلتقط أنفاساً قد تخفّف بعض ما تحسّ بصدرها من ضيق ، وما تعاني من إرهاق ، وبصوتٍ خافتٍ جرسه همس ، ورنينه أنين ، قالت له ولونها كأب « 3 » ، وعيناها منكسرتان : « خرجت كاظمة ، وعدت راغمة » .
ولم يكن الإمام في حاجة إلى أن يسمع منها ، فالوجوم في وجهها أفصح من كلّ بيان .
هامش
( 1 ) . أهداب وطفاء : إذا كثر شعرها .
( 2 ) . الهَيْنَمة : الصوت الخفي .
( 3 ) . أي ضارب إلى السواد .