فليس هكذا ينظر إلى « فدك » بالنظرة التي تريناها وهي مجرّد أرض وماء وزروع . . . وليس هكذا ينظر إلى فاطمة كمن تسعى للفوز بعروض .
بل المسألة هنا هي مسألة الحقّ لذاته ، وفي ذاته ، إذ هو قيمة عُليا يفرضها الدين ، والخُلق ، وصلاح المجتمع ، واستواء العلاقات الإنسانية بين الناس وهي بهذا واجبة الرعاية ضماناً لاتّزان السلوك ، وهي لهذا حتمية الاتّباع في كلّ وقت ، وفي كلّ حال ، سواءً أدرّت غنماً مادياً أو جفّ الضرع وانقطع الإدرار !
فما الحق ؟
بفهومه الأسمى هو اللَّه . . . وبمفهومه العام هو منهج اللَّه .
وحين ينظر - من خلال عيني فاطمة - إلى الحقّ ، أيّ حقٍّ ، نجده أمراً ثابتاً لا يُترخَّص فيه ، ولا يحتمل التأويل . . . هل يترخَّص في أمرٍ شرعه اللَّه ؟
* * * في هذا الضوء نرى قضية « فدك » مسألة مبدأ ، لا مسألة أرض .
أم لا ، فما « فدك » الأرض ؟ ما قدرها في دنيا الثروات ؟ ما جدواها على من يستوي عنده الذهب والتراب ؟ ما قيمتها عند موقن يوقن أنّ هذه الدنيا بكلّ نعيمها هباء وسراب ؟
لو أنّ تربة « فدك » مخصاب إلى أبعد حدود التخيّل ، تُخرج في كلّ يوم شجرة ، تطلع بكلّ فرع مائة زهرة ، تتفتّح كلّ زهرة عن ألف ثمرة . . . لو أنّ ثرى أرضها تبر ، وحصاها درّ . وحصباءها زمرّد وياقوت ومرجان . . . لو أنّ ماءها ينبع من نهر الكوثر .
لو أنّ هذا كلّه وأضعافه ، كان لتلك السلخة « 1 » الدنيوية من الأرض على مقربة من المدينة ، لما لقيت « فدك » هوىً عند فاطمة ، ولا اجتذبت منها نظرة ، ولا ساوت شعرة .
وأنّى لزهراء محمد أن تتطلّع إلى نَشَب « 2 » ، أو تتعلّق من هذه الحياة بسبب ، وهي
هامش
( 1 ) . السلخة : الجلدة من الشيء ، وهنا : القطعة من الأرض .
( 2 ) . النَشَب والنَشَبة : العقار .