فلقد نشأت هذه الابنة الأثيرة على الأب ، الحبيبة إلى اللَّه ، وهي تسمع كلام أبيها سيّد البلغاء .
ثم شاء اللَّه أن تتزوّج فعاشت سنين عدداً مع زوجٍ تربّى مثلها في حجر النبوّة ، ونهل من حكمتها ونوابع كلمها ما رفعه فوق كلّ نابغ بليغ . . . فلمن تكون البلاغة إن لم تكن لهذا الإمام المتّفق على بلاغته بين محبّيه وشانئيه ؟
وسمعت القرآن يُرتَّل في الصلوات وفي سائر الأوقات . . . وتحدّث الناس في زمانها بمشابهتها لأبيها ، في مشيتها وحديثها وكلامها ، ومنهم من لا ينطق في أمرها عن الهوى ولا يحابيها .
فكيف السبيل إلى التشكّك في بلاغتها ؟
وفيم يكثر الخلاف على مثل ذلك النصيب من البلاغة إذا نسب إليها ؟
ولماذا نستعظم البلاغة على من نشأت سامعة لحديث محمد ، مطبوعة على مشابهته في حديثه ؟
ولماذا نستعظم على زوجة الإمام ، الذي كان المتّفقون على بلاغته أكثر من المتّفقين على شجاعته وهي مضرب الأمثال ؟
ولماذا نستعظم هذا التفوّق البلاغي على سامعة القرآن بالليل والنهار مع الذكاء واللبّ الراجح والفكر المستنير ؟
أسئلة قد يطول فيها اللجاج . . . لكنّها تبقى بلا جواب إلَّاأن نتحرّى الإنصاف وصواب الرأي وسلامة الاستقراء ، فإذا هي دعاوى متحيّز لا يميّز ، وخطل مستريب لا يخفى على لبيب !
هذا هو منطق الوراثة في حياة الزهراء . . . ومنطق البيئة . . . ومنطق الصحبة الصفيّة لصفيّين تذوب فيها الفروق بينهما ، ويتوجّد الاثنان . . . وقبلها منطق الصفات النورانية التي صيغ منها كيان امرأة من نور ، هي سيّدة النساء .
وكلّها يتحدّث بألف لسان ولسان .
* * *
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 686
مساهمون: شوقي محمد
ص٦٨٦