« فلقد قيل على ألسنة الثقات جميعاً ، ويزاد عليه في حديث السيدة عائشة أنّ امرأة ، في فضلها واعتزازها بنفسها ، كانت ترى للزهراء - في علمها ورصانتها - فضلًا على سائر النساء » « 1 » .
ولم تكن الصلة بين فاطمة وأبيها مجرّد صلة بين ابنة وأب على نحو ما عهدنا أن تكون عليه الصلات - بحكم الوراثة ، وبحكم الولاء ، وبحكم الانتماء - بين الأبناء وبين الآباء .
إنّها علاقة نوعية متميّزة ، بل متفرّدة المثال ، لا مسبوقة ولا ملحوقة . . . روحانية العاطفة ، ربّانية الصفاء .
كمثل نجم درّي ، متوهّج السنا ، متلألئ الشعاع كان حبّها إيّاه . . . وكمثل هالة من ضياء نديّ كانت أشواقها تطوف حوله - أقماراً وكويكبات ريّانة الإشراق - مع كلّ ليل وكلّ نهار .
وكانت مظاهر شوقها وحبّها تتمثّل في اعتزاز يفوق الاعتزاز ، فلم يعرف فخر بالانتساب للرسول كفخر الزهراء ، ولم يعرف أب يفخر بخلفٍ كفخر بالزهراء .
كان إذا دخل عليها قامت إليه ، ورحّبت به ، وأخذت بيده فقبّلتها « 2 » بشغفٍ لهيفٍ ، وكأنّما تودعها كلّ نسمة حياة .
وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبّلها ، ورحّب بها ، وفرش لها رداءه وأجلسها ، ثم لا يكون له عنها شاغل ، وكأنّما هذا اللحظة من اللقاء هي وحدها الحياة .
* * * وبلغ اعتزازه بها مداه في صغارها وهو يراها فيهم فيرى أعزّ ما في الوجود ،
هامش
( 1 ) . فاطمة الزهراء والفاطميون ، للعقّاد . ( المؤلّف )
( 2 ) . أخرجه الترمذي في سننه 2 : 319 ، والحاكم في مستدركه 4 : 272 ، والبخاري في الأدب المفرد : 136 ، والبيهقي في سننه 7 : 101 ، أُسد الغابة 5 : 522 ، مجمع الزوائد 8 : 42 وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله ثقات .