فبعين اللَّه ما تفعلون . . . وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! » « 1 » .
فإذا كان ثمة بقية من كلامٍ يقال في هذا المقام ، تعيه الأفئدة قبل الأسماع ، ويكون مثلًا للآثار الموروثة التي تدلّنا على صلابة العزم اليقيني ، ووثاقة القوة الإيمانية ، فليس مَثَلٌ أقرب مورداً ، ولا أرفع مقاماً ، ولا أروع مخبراً ومظهراً من الحسين الشهيد ابن الشهيد .
جاء إلى الدنيا من أطهر النطف التي استودعها أكمام الأرحام ، لتفرزها أقدس البطون والظهور .
وخرج من الدنيا وهو أصدق شاهد على تطابق الوارث والموروث ، وتمثّل الفروع عناصر الجذور .
فما أن أذن له ربّه أن ينهض للفتنة يدفعها عن الدين وأهله ، حتّى جدّ لقمعها كجدّ أبيه على نحو ما وصفته من قبل الزهراء سيدة النساء :
« . . . لا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه « 2 » ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً « 3 » وذبّاً في ذات اللَّه ، مجتهداً في أمر اللَّه . . . مشمّراً « 4 » ناصحاً ، مجدّاً كادحاً ، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم . . . » « 5 » .
وفعل .
خفّ يناضل عن حقّ اللَّه وكرامة الإنسان ، حارب جحافل الطاغوت وأعتدتها ، وإنّها لأعداد من الأجناد ، وقاذفات الحتوف ، تُحسب بالألوف والألوف .
وظلّ وحده في الميدان حتّى نهاية الصراع .
هامش
( 1 ) . من خطبتها المشهورة التي تناقلتها كتب التراجم والسيرة والبلاغات .
( 2 ) . أي : لا يرجع في حروبه حتّى يدوس على رؤوسهم وأذانهم بباطن قدميه ، وهي كناية عن الشجاعةوالشدة في إذلال العدوّ .
( 3 ) . مكدوداً في ذات اللَّه : أي أتعب نفسه في أوامره ونواهيه .
( 4 ) . مشمراً : أي مسرعاً وملبّياً للأوامر الإلهية .
( 5 ) . من خطبة الزهراء العصماء .