نحوها من الخلاف عليها - عدلٌ من العدول وهي عندئذٍ في يديه ، ينزل عنها باختياره ، لا يدعوه إلى ذلك داعٍ غير وحي ضميره . . . ذلك عمر بن عبد العزيز .
فلقد ذكروا : أنّه قال في مستهلّ عهده بالخلافة : إنّ فدك كانت ممّا أفاء اللَّه على رسوله ولم يوجف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركاب ، فسألته فاطمة إيّاها ، فقال : ما كان لك أن تسأليني ، وما كان لي أن أعطيك ، فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل .
ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول اللَّه ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم ، فوهبها مروان لأبي ولعبدالملك ، فصارت لي وللوليد وسليمان . . . فلمّا ولي الوليد حصّته منها ، فوهبها لي ، فاستجمعتها . . . وما كان لي من مالٍ أحبّ إليَّ منها . . . فاشهدوا أنّني قد رددتها إلى ما كانت عليه . . . « 1 » .
فهل ردّها لتكون - كما جاء بصدد هذا الخبر - في أبناء السبيل ؟
يناقض هذا - ما سيرد من بعد على لسان أبي بكر ، وأقرّه عليه عمر وابن عوف - أنّ رسول اللَّه كان يأخذ من فدك قوت أهله ثم يقسم الباقي ، ويجعل منه في سبيل اللَّه .
وأغلب الظنّ أنّه ردّها على بني فاطمة ، اعترافاً بحقّ أُمّهم فيه نحلة ، ووفقاً لما أوردت روايات أخرى عن عمر بن عبد العزيز ، والمأمون بن الرشيد .
ومع ذلك ، فما كان لينبو بابنة الرسول أن تملك « فدك » ، وينفق منها رسول اللَّه وهي في يده ، على نحو فعله بها وهي ملك يمينه ، قبل أن يخرج عنها للزهراء .
* * * والذين أنكروا على فاطمة النحلة لم ينكروها ذاتاً ، وإنّما أنكروها شكلًا ، لافتقار البيّنة على ملكّيتها إلى اكتمال نصاب الشهادة .
هامش
( 1 ) . فتوح البلدان للبلاذري : 46 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 278 .