يورث ، ولانّه لم يترك ، فإنّه لم يوص ؛ لأنّ الوصية لا تكون إلَّافي ملك يمين ، وقد صفرت يداه ! ما ترك بيضاء ولا صفراء ! كلّ ما كان يملكه قد سبق أجله بسنين أو بشهور أو بأيام إلى مجال العدمية والانتفاء .
حتّى الدرهم لم يكن له في جرابه مكان ! ألم تقل عائشة نفسها عندما سُئلت عن ميراث الرسول : ما ترك رسول اللَّه ديناراً ولا درهماً . . . قالت ذلك على سبيل القطع ، لا على سبيل الاحتمال ؟
ألم يتّجه باهتمامه كله - وروحه قد بلغت الحلقوم - إلى تلك الدنانير الزهيدة قيمةً ، فأمر أكثر من مرّة أن يخرجوها من ملكه ، ويتصدّقوا بها ، ليلقى ربّه وكفّاه نظيفتان من كلّ مقتنىً مملوك ؟
إنّ الذي يُلفته لحظة النزع ذلك القليل الضئيل الذي يملكه ، فيعني نفسه بالتخلّص منه كأنّما ليغتسل من درن ، لأولى بان يلفته الكثير الوفير لو قد كان في ملكه ما يُحسب - نسبياً - بالوفرة أو الكثرة ، بالقياس إلى هذا القدر التافه من « النقود » .
ثم لأولى به أن يتصدّق بكلّ ما تصل قيمته - صعوداً - إلى الدرهم إذا أخذنا في الاعتبار قول عائشة الذي يدلّنا لفظه ومفهومه أنّه لم يترك شيئاً ممّا يطلق عليه اسم المال .
والدرهم - كما نعلم من عبارة السيدة - هو الحدّ الأعلى لم « لم يتركه » رسول اللَّه . . . ومن ثم فإنّ كلّ ما بلغ من مقتنياته عليه الصلاة والسلام قيمة الدرهم ، حتى أن يدخل في نطاق انتفاء الوجود عند الوفاة .
فإن نجد قائلًا يقول : إنّما يسري هذا على « العيون » ، أو « المال السائل » كما نسمّيه الآن . . . ثم يتسائل : فما الرأي في « المال الثابت » كالأراضي والضياع ؟ وفي « المال الراعي » كالإبل والأغنام ؟ عندئذٍ يقال : كلّها ينطبق عليه نفس الحدّ « العيني » المحدود .
فلقد ذكروا - كما سلف البيان - أنّ عمرو بن الحارث ، أخا جويرية أم المؤمنين ، قال : ما ترك رسول اللَّه عند موته درهماً ولا ديناراً ، ولا عبداً ولا أمة .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحه 653
پدیدآورندگان: شوقي محمد
ص۶۵۳