وتخاطبه مرةً أخرى في مسجد النبي ، فتقول : « يا بن أبي قحافة ! أفي كتاب اللَّه أن ترث أباك ، ولا أرث أبي ؟ » .
وتحدّثه ومن اجتمعوا لها في هذا المحفل : « وزعمتم ألَّا حظوة لي ، ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا . . . أفخصّكم اللَّه بآيةٍ أخرج منها أبي ؟ ! أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان ؟ أو لستُ أنا وأبي من أهل ملّةٍ واحدةٍ ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ » « 1 » .
ويتعدّد بينها وبينه اللقاء ، ويحتدم الجدل ، فلا تزال تدعم قولها بآيات من كتاب اللَّه ، ولا يزال هو يستمسك برأيه معتصماً بانتفاء وراثتها للرسول .
في كلام له يجيب : سمعت رسول اللَّه يقول : « إنّما هي طعمة أطعمنيها اللَّه حياتي ، فإذا متّ فهي بين المسلمين » « 2 » .
وفي غيره يكون ردّه : إنّ اللَّه عزَّ وجلَّ إذا أطعم نبيّاً طعمةً فهي للذي يقوم بعده « 3 » .
ولقد ورد حديث منع التوريث على لسان أبي بكر على أكثر من صورة ، تتّفق جميعاً في المعنى ، ولكنّها تختلف في التركيب ، ولعلّ أشهر ما وصلنا منها اثنتان :
الأُولى : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة » .
والثانية : « لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة » « 4 » .
أمّا نصيب الورثة الشرعيّين ، فقد جاء في ذيل هذه الأخيرة عبارة مانعة تقرّر ألَّا حقّ لهم في مال النبي ، وإنّما لهم المأكل ، لا شيء سواه من مال اللَّه .
تقول العبارة : « إنّما يأكل آل محمد من هذا المال - مال اللَّه - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل » .
هامش
( 1 ) . من خطبة الزهراء عليها السلام ، يرويها ابن أبي الحديد في شرحه 16 : 211 .
( 2 ) . طبقات ابن سعد 2 : 314 بسنده عن الكلبي عن أبي صالح عن أُم هانئ .
( 3 ) . مسند فاطمة للسيوطي 1 : 4 عن مسند أحمد ، شرح نهج البلاغة 16 : 218 - 219 بسنده عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل .
( 4 ) . العواصم من القواصم لأبي بكر ابن العربي . ( المؤلّف ) .