ما ورواه أبو بكر عن الرسول أنّه قال : « ما تركنا صدقة » ولذلك بقيت أُصوله مصونة على امتداد بضعة قرون ، لم تتوزّع ولم يؤول أيّها إلى إنسان ، إلَّارَحْل رسول اللَّه ، إذ دفع أبو بكر آلة الرسول ودابّته إلى علي بن أبي طالب وقال : ما سوى ذلك صدقة .
والصدقة هنا ليست الزكاة ، بل هي تطوّعية ، أمّا الزكاة فصدقة مفروضة .
روي : أنّ رجلًا أتى النبي يسأله من الصدقة ، فقال له عليه الصلاة والسلام :
« إنّ اللَّه لم يرض في الصدقة بقسم نبي ولا غيره ، ولكن جزّأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك » « 1 » .
وبيّن اللَّه من جُزئت الصدقة فيهم :
« إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ »
« 2 »
.
فأمّا وهكذا كان التصرّف في المال الثابت فقد نجت أُصوله أن تتآكل ، إذ يُنفَق ريعها وحده في الوجوه المحبوس عليها ؛ كحال الأوقاف ، فإن سدّت غلّتها الحاجة فذاك ، وإن عجزت عوّض ولي الأمر ، وإن زاد منها شيء جعل مجعل مال اللَّه ، أو فيما يسمّى بالأموال السلطانية ، أو المال العام .
وقد تساءل بعض المؤرّخين عن غضب فاطمة على أبي بكر ما وجهه ، ثم عرض ما دلّه عليه تفكيره ، فقال : إنْ كان غضبها عليه لمنعه إيّاها ما سألته من « الميراث » فقد اعتذر إليها بعذرٍ يجب قبوله ، وهو ما رواه عن أبيها رسول اللَّه أنّه قال : « لا نورث ، ما تركنا صدقة » .
ثم يكمل فيقول وهي ممّن تنقاد لنصّ الشارع الذي خُفي على أزواج النبي حتّى أخبرتهنّ به عائشة ووافقنها عليه ! « 3 » .
هامش
( 1 ) . رواه أبو داود في سننه 2 : 117 باب : من يعطى من الصدقة ح 1630 عن زياد بن الحرث الصدائي ، والبيهقي أيضاً 4 : 174 و 7 : 6 .
( 2 ) . التوبة : 60 .
( 3 ) . السيرة النبوية لأبي الفداء . ( المؤلّف ) .