وهل من حرجٍ على صاحب هذا التأريخ أن يتساءل ويجيب ؟ أو هل من حرجٍ أن ينتهي به تفكيره ، من خلال نظره في حركات الأحداث ، ومقولات المحدّثين ، إلى النتيجة التي يفضي به إليها الاستقراء ؟
لا حرج ، فله أن يناقش ما شاء ، ويستخلص ما شاء . . . إنّما الحرج عليه في أن يضع المتوافق والمتناقض على درجةٍ سواء .
فهو يقرّ بالنقيض ، ثم لا ينكر نقيض النقيض .
فإذا حكمه الآن في المرفوض أنّه مقبول ، وإذا هو بعد قليل في المقبول أنّه مرفوض . . . وكأنّما رأيه في كلا الحالتين ليس الرأي « الموضوعي » الذي ينبني على جواهر الأُمور ، بل هو الرأي « المرحلي » الذي يتحوّل مع تغيّر الأشخاص أو اختلاف الظروف .
ذلك أنّه يظاهر أبو بكر عند القبض والامتناع ، ثم يظاهر ابن الخطّاب عند المنح والإطلاق .
فلقد ورد في صحائفه التأريخية أنّ عمر ، بعد مرور نحو عامين من إمرته ، ردّ إلى علي والعباس « صدقة » النبي بالمدينة التي كان أبو بكر قبضها عن الزهراء فيما قبضه عنها من مختلف ما طالبته به من حقوقها في أفياء الرسول « 1 » .
فإذا لم يكن لفاطمة حقّ في هذه الأرض : أرض الصدقة ، فكيف أباح عمر زوجها ما منعها إيّاه أبو بكر منذ مستهلّ خلافته حتّى انتهاء عهده بالحياة ؟
وإذا كان لها فيه حقّ فلماذا منعها إيّاه ؟
أول الخليفتين منع ! وثاني الخليفتين أباح !
ويتعذّر التعليل . . . إلَّاأن يكون المنع ، ثم المنح ، يتعلّقان بأسبابٍ أخرى ، وأشياء هي غير الأرض : أصل النزاع . . . أو أن تكون سياسة الحكم - لأمرٍ ما - قد ارتأت خيرها في التغيير .
* * *
هامش
( 1 ) . سيأتي تخريجه .