وذلك برهان على استمرارية بقاء « عيون » السهمان مهما تداولتها الأيدي وتوالت عليها العهود .
* * * ويوشك مدلول ما أسلفناه أن يصل بنا إلى مبدأ اقتصادي عام ، عامل مستحقّات الأفراد التي أفاءها اللَّه عليهم من الأموال الثابتة ، كالأراضي والضياع ، بغير ما يعني مفهوم الملكية الشخصية الآن .
فلم تعد هذه الملكية فردية خاصّةً - كمطلق معنى الخصوص والتفرّد - لصاحبها حقّ التصرّف فيها : غلّةً وأصلًا ، على مشتهاه ، إنّما حيل بين مُلّاك تلكم العيون أن تؤدّي تصرّفاتهم الأُحادية فيها وفق أهوائهم إلى تفتّت أصولها ، ثم إلى اندثارها بعد حين .
ومن ثم وجدنا ملكيتهم الخاصّة في هذه الأموال الثابتة قد قُيِّدت ، وفُقدت صفة « الفردية » بمعناها الواسع ، فإذا هي في هيئةٍ أُخرى يمكن أن نسمّيها : ملكية « جماعية » ، أو ملكية « اشتراك » ، أو ملكية « انتفاع » ، أو ملكية « شيوع » أو أيّما صورة لفظية أخرى توافق طبيعتها ، يمتنع بها التصرّف الفردي المطلق في الأُصول وإن لم يمتنع في الريوع « 1 » .
وعلى هذا النحو أيضاً كانت حال الصدقات ، عيونها تستثمر ولا تستهلك ، فيكون الإنفاق من غلّاتها على ما خُصِّصت ، وتبقى أُسسها ثابتة لا يتناولها التوزيع .
وقد اصطلح علماء مدرسة الخلفاء من محدّثين ومؤرّخين وفقهاء ولغوين وغيرهم على تسمية كلّ ما خلف رسول اللَّه من ضياع وعقار بالصدقات ؛ استناداً إلى
هامش
( 1 ) . يبدو أنّ « تأميم » التركات والضياع له جذور في عمق التاريخ الإسلامي ! ! رغم أنّه لم يؤثر في تواريخ الأمم السابقة الأخرى ، ولو كان قاعدةً متّبعة قد جرى عليها خلفاء الأنبياء السابقين بالنسبة إلى تركاتهم لاشتهر الأمر ، وتواتر عنهم في ذلك عبر الأزمان المتلاحقة .
ويجدر ذكره أنّ للدكتور محمد سعيد رضا بحثاً مفصّلًا عن المصادرات في التاريخ ، نشرته مجلّة كلية الآداب / جامعة البصرة ، العدد ( 15 ) سنة 1978 م .