وكيفما كانت نوعية التقسيم ، فما زادت ولا نقصت نسبة المقسوم مقارناً بالأساس .
ثم كان على الوالي - كما سبق البيان - الإنفاق من السهم على مستحقّيه ما يكفيهم سنتهم ، فإن فضل منه شيء حفظ الفضلة ، وإن نقص عن حاجتهم أكمل لهم ما يغنيهم مما فضل عنهم في سوالف السنين .
وعلى كثرة ما تدوولت فدك بين آل فاطمة من ناحية وبين الأمويين والعباسيين من ناحيةٍ أخرى ، فالثابت - تاريخاً - أنّها ظلّت موضع نزاع بين الفريقين على امتداد ما يقرب من مائتي عام « 1 » ، فلماذا بقيت كلّ هذه السنين الطوال ؟
لأنّ تصرّف أولئك وهؤلاء فيها لم يكن يتناول - بطبيعة الحال - إلَّاما تخرج من غلّات ، فلو أنّهم تصرّفوا في « العين » ، إذن لاستهلكت واندثرت ولم يعد لأصلها وجود .
ولعلّ ممّا قد يضيف نقطةً على حرف في هذا المجال فيؤكّد الصرف من الريع مع الإبقاء على الأصل ما يمسّ ، ما جاء على لسان الخليفة الأول في سهم ذي القربى ، إذ سألته فاطمة إيّاه ، فكان جوابه : سمعت رسول اللَّه يقول : « سهم ذوي القربى لهم في حياتي ، وليس له بعد موتي » « 2 » .
هامش
( 1 ) . إذ أنّ الخليفة عثمان قد أقطعها مروان بن الحكم على ما قاله صاحب فتوح البلدان : 44 ، وبعد الأحداث التي جرت زمان أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن بعده الإمام الحسن عليه السلام ، وبعد أن ولي معاوية الخلافة أقطع فدك مروان ثلثه ، وعمرو بن عثمان ثلثه ، ويزيد ثلثها الآخر ، فلم يزالوا يتداولونها حتّى خلصت كلّها إلى مروان أيام ملكه ( شرح نهج البلاغة 16 : 216 ، فتوح البلدان للبلاذري : 46 ) ، ثم أقطعها إلى ابنه عبد العزيز الذي وهبها لابنه عمر ، فلمّا تولّى عمر بن عبد العزيز بن مروان ردّ فدك على ولد فاطمة عليها السلام ولما تولّى يزيد بن عبد الملك انتزعها منهم فصارت في أيدي بني مروان حتّى انقرضت دولتهم ( شرح نهج البلاغة 16 : 216 ، سنن البيهقي 6 : 301 ) . فلمّا قام أبو العباس السفّاح بالأمر ردّها على عبداللَّه بن الحسن بن الحسين عليه السلام ، ثم قبضها المنصور الدوانيقي في خلافته ، وردّها المهدي بن المنصور على الفاطميّين ، ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم ، ولم تزل في أيدي العباسيّين حتّى تولّى المأمون فردّها عليهم سنة ( 210 ه ) ، لكن لما تولّى المتوكل انتزعها وأقطعها إلى عبداللَّه بن عمر البازيار وإلى الأبد .
( 2 ) . والخبر يرويه كنز العمال 5 : 629 ح 14108 وعزاه إلى ابن راهويه ، ثم قال بعده : « وفيه الكلبي متروك » .