فلقد خرجت من التحديد إلى التجريد ، وخلعت المادّية لتكنى الرمزية .
ما هي بقطعة أرضٍ أو تركةٍ . . . بل فكرة .
ما هي بإرثٍ بل تراث . . . والإرث حصيلة ملكية فردية ، تؤول إلى فردٍ أو أفراد ، أمّا التراث فهو مجموعة الآراء والعادات الحضارية المنتقلة جيلًا عن جيل .
الآن تمثّل فدك « الإمرة » . . . تجسّم الشكل المعنوي للخلافة ، وأُلحق فيها لمن ينبغي أن يكون ، لكأنّها ترمز إلى « الوصية » .
وعندما استطار الجدل ، وامتدّت بفاطمة الأيام بعض امتداد ، والقوم لا يزالون ينكرون عليها نحلة الرسول ، بدا من أحاديثها كأنّما نكرانهم ليس في أصله شُحّاً بأرض ، بقدر ما هو إهدار لحقّ زوجها في « ولاية الأمر » .
نسمعها تتناول ما حُرِمَتْه من فيء أبيها ، فلا نكاد حتّى نجدها تعوج بموقف القوم يوم السقيفة إذ غمطوا علياً حقّه في الخلافة ، فحبسوا بيعتهم عنه وهم أعلم بمقامه ، وأولى بالانتصاف له لولا أُمور في نفوسهم مالت بهم عن جادّة الطريق .
تخطب الناس مرّةً ، فتذكّرهم أن هداهم اللَّه بأبيها رسول اللَّه إلى الدين القيّم ، فطهّرهم بالإيمان من الشرك ، ونزّههم بالصلاة من الكبر ، ثم لا تزال تعدِّد آلاءه عليهم سبحانه ، حتّى تبلغ الذي أغفلوه فتلفتهم إليه .
تقول :
« . . . وجعل طاعتنا نظاماً . . . وإمامتنا أماناً من الفرقة . . . » .
وتحدّثهم عن سوء ما كانوا عليه عند البعثة لولا أن جاهد النبي ، وجاهد عليّ . . .
فيكون من بعض ما ورد في حديثها الجليل :
« . . . وكنتم على شفا حفرةٍ من النار . . . أذلّةً خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس . . . فأنقذكم اللَّه بأبي ، بعد أن مُني ببُهَم الرجال ، وذُؤْبان العرب ، ومَرَدَة أهل الكتاب ، كلّما فغرت فاغرةٌ ن المشركين قذف « أخاه » في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه . . . » .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 605
مساهمون: شوقي محمد
ص٦٠٥