لكن بعض قريش يحرّك الموقف الضنك « 1 » ما في قلوبهم من ضغنٍ على محمد ، حتّى ليودّ أحدهم أن يغدر به لولا أن كفّه اللَّه عن نبيّه فأنجاه .
وتتحدّث ألسنتهم بما احتوته جوانحهم السوداء من شماتةٍ وغلِّ ، فيقول كبيرهم « 2 » : واللَّه لا تنتهي هزيمتهم دون البحر !
ويقول آخر : ألا بطل السحر اليوم !
أمّا الرسول فقد ثبت في مكانه لا يزول وإن غشيه الكفّار ، مُذكِّراً الناس : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ! » « 3 » .
وتمرّ به في هذه اللحظة الحازبة أُم سليم بنت ملحان « 4 » ، فتدنو منه ، وفي يدها خنجر أعدّته لتبعج « 5 » به أيّما مشركٍ يهمّ أن يناله بشرٍّ .
ويملكها خوفها عليه ، فتودّ لو افتدته بالنفس والآل ، فتقول في لهفة مزاجها ولاء :
بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه !
ثم يملكها غضبها على الأُلى من رجاله تشتّتوا عنه ، فتهيب به وهي محنقة يأكلها
هامش
( 1 ) . الضنك : الضيق .
( 2 ) . في تاريخ الطبري : هو أبو سفيان . ( المؤلّف ) .
( 3 ) . رواه البخاري 3 : 1051 - 1052 ب 52 من أبواب الجهاد ح 2709 ، و : 1054 ب 60 من أبواب الجهاد ح 2719 ، و : 1071 ب 95 من أبواب الجهاد ح 2771 ، و : 1107 ب 164 من أبواب الجهاد ح 2877 ، ومسلم 3 : 1400 و 1401 ب 28 في غزوة حنين من كتاب الجهاد والسير ح 1776 وما بعده كلاهما عن البراء بن عازب . وفي تاريخ الطبري 2 : 348 حوادث سنة 8 ه . وقوله صلى الله عليه وآله : « أنا النبي لا كذب » أي أنا النبي حقّاً وصدقاً فلا أفرّ ولا أزول .
( 4 ) . أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية الخزرجية النجارية ، أم أنس بن مالك خادم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، اشتهرت بكنيتها ، واختلف في اسمها ، فقيل : سهلة ، وقيل : رميلة ، وقيل : رميثة ، وقيل غير ذلك ، كانت تحت مالك بن النضر والد أنس في الجاهلية ، فلمّا أسلمت غضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك ، فخطبها أو طلحة الأنصاري وهو مشرك ، فاشترطت عليه أن يسلم على أن يكون هذا مهرها . وكانت تغزو مع النبي صلى الله عليه وآله ، وروت عنه أحاديث ، وكانت تعدّ من عقلاء النساء . ( أُسد الغابة 5 : 591 من كتاب النساء ، الإصابة في معرفة الصحابة 8 : 243 برقم 1314 باب الكنى ) .
( 5 ) . بعج : طعن .