الغيظ : اقتل هؤلاء الذين يفرّون عنك ، كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك ، فإنّهم لذلك أهل !
لكنّه ، بكلّ السماحة في نفسه الصافية ، وبكلّ الثقة في قلبه الركين ، يردّ عليها بهدوء : « أو يكفي اللَّه يا أُم سليم ! » « 1 » .
ويكفيه اللَّه .
ويسجّل النطق الربّاني هذه المحنة التي أراد لها اللَّه أن تكون ، ثم أراد أن تنحسر ، فينزل ربّك في قرآنه العظيم :
« لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ »
« 2 »
.
* * * فترة عصيبة في حياة الإسلام ، تلك التي أعقبت « خيبراً » حتّى حسم اللَّه الأخطار .
قصيرة الأمد كحلم ، ثقيلة الوقع ككابوس ، طولها عامان وقليل ، فما بلغت منتصف ثالث الحؤول !
لكنّ حلقها شرق بالشدائد والمشقّات ، في شهورها وأيامها طالما عربد الشيطان ، على قصرها وضيقها ، تزاحمت سيوف الشرك وخدع النفاق على أصحاب الإيمان .
فإذا بين الذين هدى اللَّه قد وَهَن من لم يكن ليهن ، وفرّ من لم يكن ليفرّ . . .
وحسب من في قلوبهم مرض أنّ العاقبة للأوثان !
ثم مكّن اللَّه لأهل دينه في سعيٍ دائبٍ شاقّ ، أخذ ينساح بدعوة الحقّ فوق وجه
هامش
( 1 ) . البداية والنهاية 4 : 326 . وروى الخبر مسلم أيضاً 3 : 1442 ب 47 غروة النساء مع الرجال ، من كتاب الجهاد ح 1809 ، وأحمد 3 : 279 عن أنس . وانظر تاريخ الطبري 2 : 349 حوادث سنة 8 ه ، وذكر قصة الخنجر .
( 2 ) . التوبة : 25 - 27 .