ويتطرّق الظنّ إلى الذهن ، فيكاد يرى في موقف أبي بكر هذا ما قد يكشف عن فكرةٍ ربّما ظلّت راسبة في عقله الباطن زمناً ، ورافضة للنحلة كقاعدة للتمليك ، فلمّا أُتيح لهذه الفكرة الطفو من أعماقه اللاواعية على سطح إدراكه الواعي - ما أن أشرف على الرحيل عن دنيا الناس - بادر فبلورها في سلوك عملي ، فرفض نحلة أمّ المؤمنين .
ويتطرّق الظنّ أيضاً إلى أنّه تحرّى العدالة فحرم ابنته نحلتها منه ، كما حرم فاطمة نحلة رسول اللَّه ، فلا يقال كال لهذه بمكيال ولتلك بمكيال .
أمّا هو فيعلّل موقفه بأنّه إنّما يؤثر أن يكون مال الأب ميراثاً ، وقسمةً بين ولده ، على كتاب اللَّه لا على مقتضى الرغبة الخاصّة ، كما يبيّن من حديثه للابنة الجليلة .
أما سمعناه يقول لها عن نحلته : هي مال الوارث ، وأحبّ أن تكون قسمة على كتاب اللَّه ؟
وليست النحلة كالميراث .
فالنحْل يعني تفرّد المنحول بما قد نحله من مال ، وهو بصفته هذه يحجب جانباً من الإرث عن مستحقّيه ، والميراث يعني مشاركة آخرين في المال الموروث .
ومع التسليم بشرعية حقّ المالك الأصيل في التصرّف في ماله ، بتوزيعه بأساليبٍ شتّى في حدود معلومة ، فإنّ الخليفة الأول - فيما نضح به سلوكه - قد تبدّى كمن يرى أنّ قاعدة التوريث هي أول كلّ تلكم الأساليب ، وأولاها بالاتّباع .
غير أنّ ما ينبغي الالتفات إليه ها هنا هو أنّ وضع نحلة فاطمة ووضع نحلة عائشة مختلفان ، في ميزان الهبات .
فما يجري على نحلة أُم المؤمنين لا ينطبق على نحلة الزهراء . . . فبينما كانت فاطمة وحيدة الرسول ، كان لعائشة إخوة وأخوات ، ومن ثم فإنّ تمييزها بنحلةٍ من دون ولد أبي بكر فيه إجحاف بولده الآخرين .
قيل : جاء رجل إلى النبي فقال له : إنّي أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّةً ، فأمرتني أن أُشهدك يا رسول اللَّه .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 576
مساهمون: شوقي محمد
ص٥٧٦