أجل . . . لو صحّت الرواية ، ولم يُعلم الرسول زهراءه بنحلته ، لانقطعت مسيرة التاريخ في هذه القناة ، وتحوّل صيّبه « 1 » إلى غير مجراه الذي عشناه .
لكن . . . ليس بهذا تطالعنا الوقائع ، وتنطق الشواهد ، وتتحدّث الأدلّة ، وتتكلّم الأسناد .
فالرواية كأنّها مدعاة ، وهي أقرب إلى الخيال العابث منها إلى الصدق الرصين .
فأن يهب محمد فاطمة شيئاً يمكله ، ثم لا يخبرها بأنّه وهب ، ويخبر غيرها - أُمّ أيمن أو من عداها من الناس - لهو ممّا لا يمكن أن يصدر من نبيٍّ أول مزاياه أنّه يحسن البلاغ ، ويسلّم الحقّ إلى من يستحقّه ، ويضع الكلم في مواضعه ، ولا يتركه لاضطراب التأويل « 2 » .
وكانت « فدك » خليقة ببيانه الدقيق ، ومقطع الحقّ فيها تبرزه الوقائع وتؤكّده المصاديق .
* * * ولقد نعلم أنّ « فدك » تجاذبتها الأخبار ، بين الإقرار وبين الإنكار ، آناً إلى اليمين وآناً إلى اليسار .
لكنّنا نعلم أنّ ما ورد فيها من الروايات ، كان ذا صورٍ جمّة ، وألوان أعداد . . .
وكلّها : بمبانيها ومعانيها ، كانت تدور محاور مختلفات ، من التقلّبات السياسية ، والتيارات الفكرية التي ينفعل بعضها ببعض ، متأثّراً ومؤثّراً في حركة الوقائع والاجتماع .
فللسياسة والفكر قوة وسلطان ، ولكليهما قدرة على التغيير .
ومن ثم فإنّ الظروف المهيمنة على مصائر الأُمور ، قد تسخوا أحياناً وتلين ، فنراها تفسح المجال لما نسمّيه « الرأي الآخر » في لغة عصرنا الذي نعيش فيه ،
هامش
( 1 ) . الصيّب : المطر ، وهو كناية عن الخير والبركة .
( 2 ) . وهل وظيفة الأنبياء والرسل إلَّاإيصال البيان والتبيين ؟