بعض الرواة ، وأملى لهم في إثباته وتوكيد صحّته بكلّ جهد جاهد ، وكلّ عزم عنيد .
شأنهم في هذا شأن أمثالهم في الانجذاب إلى السلوكات « السلطانية » وإن هم تأوّلوا لذلك تأويلًا يساند ما يقدّمون .
عندئذٍ لا نعجب لو رأينا أمامنا رواية صدقٍ ، راويتها يبدو وهو مثخن بالخدوش والخموش ، وبناؤها يلوح وهو مَؤُوف « 1 » مملوخ « 2 » . . . فإذا هي قصّة لا تكاد تطمئنّ إليها قوى الإدراك ، تذكر لنا بصريح اللفظ وجليّ المضمون : أنّ نظرة الخليفة ونظرة فاطمة إلى فدك - كنحلةٍ - تتطابقان ، حتّى ليظهر أنّ بضعة الرسول تقرّ بأنّها لم تعلم بواقعة « النحل » من نطق أبيها ، وإنّما علمتها من نطق سواه !
والقصّة تقول : . . . ولمّا قُبض « 3 » النبي طلبت فاطمة ابنته إلى أبي بكر أن يردّ عليها ما ترك من أرض فدك وخيبر ، لكن أبا بكر أجابها بقول أبيها : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » .
ثم قال لها : فأمّا إن كان أبوك قد وهب لك هذا المال ، فإنّي أقبل كلمتك في ذلك وأنفذ ما أمر به ، وأجابت فاطمة بأنّ أباها لم يفض إليها بشيءٍ من ذلك ، وإنّما أخبرتها أُمّ أيمن بأنّ ذلك كان قصده . . . عند ذلك أصرّ أبو بكر على استبقاء فدك وخيبر ، وردّهما إلى مال المسلمين « 4 » .
ومع هذا ، فلم يقف أمر « النحلة » عند هذا الحدّ المحدود ، إنّما ظلّت عشرات السنين مضغةً للغط الألسن ، ومضماراً لاصطراع الأفكار .
ومن وراء هذا كلّه روايات شتّى ، راحت تدفعها دفعاً على الحلبة الإسلامية ، نحو غاياتٍ معلنة أُخرى خفيّة ، لتتبارى على بلوغها تباري جياد السباق . . . بعضها نحو التوفيق ، وبعضها نحو التفريق !
هامش
( 1 ) . المؤُوف : المصاب بآفة .
( 2 ) . المملوخ : الفاسد .
( 3 ) . حياة محمد ، للدكتور هيكل . ( المؤلّف ) .
( 4 ) . وسيأتي المؤلّف على مناقشتها ، وردّها .