وتصلّبت : فروعاً وأغصاناً ، فإذا هي أعواد من فولاذ وحديد .
وكانت أيضاً مفروشة بزروع كبساط أخضر .
فالتربة مخصبة ولود ، والماء سلسل فوّار ، والنخل صنوان وغير صنوان ، والثمر كثير .
وعندما دنا منها المجاهدون ، وظنّ قومها أنّهم - كبني جلدتهم الخيبريّين - مأخوذون لا محالة بمشافر السيوف ، جاءهم النجاء من حيث لا يحتسبون ، هدية سخيّة من لدن ذلك الذي أرسله ربّه هدىً ورحمةً للعالمين .
فلقد بعث إليهم رسول اللَّه أن يسلموا برسالته ، فيكون لهم وعليهم ما للمسلمين وعلى المسلمين ، أو أن يسلّموا إليه ما يملكون ، ولهم دينهم الذي يدينون ، فيمنحهم السلام .
فأبى كفرانهم عليهم الأُولى ، وصالحوه على شرطه الأخير .
ورفع عنهم السيف . . . وغدت له أرضهم ، نصفها يزرعونه له ، ونصفها الثاني يزرعونه لأنفسهم ، فيبقى تحت أيديهم يستثمرونه ، إلَّاأن يرى النبي فيهم رأياً فيجليهم عن القربة جميعها حين يريد ، ويعوّضهم عن نصيبهم المقسوم لقاء الجلاء .
وهكذا صارت « خيبر » للمسلمين كافّةً ، إذ انتزعوها من أصحابها بقوة السلاح . . .
وصارت « فدك » خالصة « 1 » لمحمد ، لأنّه احتازها سلماً ، ولم يجلب عليها المسلمون بخيلٍ ولا ركاب .
فتلك شرعة اللَّه .
* * * وإذا كانت هذه المصالحة حقنت دماء أبناء « فدك » ، وحفظت عليهم حياتهم ، وأثابتهم الأمان والسلام ، فلقد كادت بعد سنوات قلائل أن توقع خلافاً غير محمود
هامش
( 1 ) . حياة محمد ، للدكتور هيكل . ( المؤلّف ) .