وتقول : فجاء عمر والمغيرة بن شعبة ، فاستأذنا ، فأذنت لهما ، وجذبت إليّ الحجاب ، فنظر عمر إلى الرسول فقال : واغشياه ! ما أشدّ غشي رسول اللَّه !
فهل ظنّها غشيةً ؟
ربّما !
وتستطرد أُمّ المؤمنين : ثم قاما ، فلمّا دنوا من الباب قال المغيرة : يا عمر ، مات رسول اللَّه !
تقول عائشة : فقلت : كذبت ! بل أنت رجل تحوسك فتنة ! إنّ رسول اللَّه لا يموت حتّى يفني اللَّه المنافقين .
وخرج عمر يتهدّد الناس .
وجاء أبو بكر فدخل الدار ، لا يلتفت لأحدٍ ، فلمّا عاد أقبل على الناس في المسجد ، وحاول أن يكفّ صاحب الوعيد فلم يكفّ ، مرّةً ومرّتين وثلاث مرّات .
وعندئذٍ أبلغ القوم جليّة الخبر الفاجع الأليم : من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ، ومن كان يعبد اللَّه فإنّ اللَّه حيّ لا يموت ، وتلا :
« وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ »
« 1 »
.
فما نطقها حتّى ملكت الدهشة عمر ، فلا يستطيع أن ينبس أو يتحرّك ، كأنّه عقر !
ثم فاء وثاب !
ثم سُمِع يقول وهو مدهوش مذهول : أَوَ إنّها من كتاب اللَّه !
وقال : واللَّه ما علمت أنّ هذه الآية أُنزلت قبل الآن « 2 » !
ولقد أكثرت روايات الرواة في تصوير تشكّكه في الوفاة التي وعتها من قبل أُذناه ، ثم شهدتها الآن عيناه . . . بدّلته الاسترابة بالاستيقان .
فإن يكن - كما يقولون - ارتاب ، فعلى غير ذلك يدلّنا علمه المسبق بما كان قبل
هامش
( 1 ) . آل عمران : 144 .
( 2 ) . ذكره ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب : 45 - 46 عن أنس ، ثم قال : انفرد بإخراجه البخاري .