أجاب ربّاً دعاه . . . يا أبتاه !
جنّة الخلد مأواه . . . يا أبتاه !
إلى جبريل ننعاه . . . يا أبتاه !
من ربّه ما أدناه . . . يا أبتاه ! » « 1 » .
لكأنّي بهذا النعي قد أجّج ناراً لاهبةً في كلّ قلب ، دبّ على أديم هذا الكوكب ، منذئذ وحتّى الآن ، وإلى موعد البعث ، ما إن ندّ من شفتي الزهراء .
وكيف لا ، وهي تعلن مأتم الإنسانية ؟ تودّع سيّد البشر ؟ تبكي الرحمة التي تجسّدت فيه ؟
ومع ذلك فلا نخالها إلَّاكانت تغالب شجنها لعلّها تغلبه ، لعلّها أن تكفّ بعض ما حولها من معالم الأسى الفاجع ، لعلّها أن تسمع أهازيج الملائكة وهي تنشد فرحةً باستقباله .
ففي الأرض دموع وعويل . . . وفي السماء غناء وترتيل .
وعند جانب الغرفة ، حيث وسد الرسول مثواه ، وقف علي بن أبي طالب صفيّه وحبيبه يناجيه : « بأبي أنت وأمي ، يا رسول اللَّه ! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء . . . لولا أنّك أمرت بالصبر ، ونهيت عن الجزع ، لأنفدنا عليك ماء الشؤون ، ولكان الداء مماطلًا ، والكمد محالفاً ، وقلَّا لك ! لكنّه ما لا يملك ردّه ، ولا يُستطاع دفعه . . . بأبي أنت وأمي ! اذكرنا عند ربّك ، واجعلنا من بالك » « 2 » .
هامش
( 1 ) . روى ندبها لأبيها أحمد في المسند 3 : 141 و 197 عن أنس ، والبيهقي في السنن 4 : 71 ، وابن سعد في الطبقات 2 : 83 ، والخطيب في تاريخه 6 : 262 .
( 2 ) . نهج البلاغة : 355 خطبة رقم ( 235 ) . وقلّا لك : أي مماطلة الداء ومحالفة الكمد قليلتان لك .