أن يكون ، ثم حظّه من الإيمان ، ثم آي القرآن ، فضلًا عن مخالفة هذا التشكّك لشكيمة ابن الخطّاب .
وإن يكن قد تابع أُمّ المؤمنين على ظنّها في بقاء النبي حيّاً حتّى يُذهِب اللَّه ريح المنافقين ، فدون انحياز التابع لظنّ المتبوع قول عائشة نفسها : إنّ الرسول قُبض وهو في حجرها ، فقامت والتدمت مع النسوة الأُخريات .
ذلك لأنّ « الالتدام » واللطم وضرب الوجوه لا يكون على من راح في غشية ، إنّما يكون على من اجتاز النزع ، نفض يده من هذه الحياة . . . مات !
وذهب محمد إلى اللَّه ، خلع عن روحه ذلك الثوب البدني الذي كان يكتسيه ، تحرّر من دنيا الناس ، وانطلق إلى السماء .
وهل به الآن من حاجة إلى البقاء في هذه العاجلة بعد أن فرغ ممّا بُعث فيه ؟
لقد ختم رسالته ، بلّغ عن ربّه فأحسن البلاغ ، أدّى وأكمل الأداء .
وكان جوّ المدينة عندئذٍ يحترق بحرارة الصيف ، هواؤه ألسنة لهيب تسوط الأجسام الأُفق قبّة من نار ، العرق المنثال « 1 » على الوجوه حبّات من جمر .
في العيون غيوم ، على الملامح وجوم . . . الأنفاس تشتعل . . . الحناجر جريحة ، الجفون مقروحة . . . الهمسات دموع ، الأنين لغة الوداع .
ومن وراء هذا الأسى الأخرس حيناً ، الصائح حيناً ، النائح حيناً ، كانت القلوب تتفتّت من هول المصاب الفادح وإن لم تخلّف وراءها آثار دماء .
ومن خلال الأنين والبكاء والعويل التي تدافعت عبر المدينة الحزينة ، من كلّ رجأ نعيباً ونعيقاً ، سرى في كلّ شهقةٍ ولهثةٍ .
ومع كلّ صرخةٍ وولولةٍ ، صوت الزهراء يشقّ الفضاء ، وهي تنعى أباها إلى السماء :
« أبتاه ، أبتاه ! . . . يا أبتاه !
هامش
( 1 ) . المنثال : المنساب ، المنحدر .