فمن الحكيم الذي يستطيع أن يجمع الجمر والماء في إناء ؟
أم اللَّه يحيي من الموتى لقمان ؟ أم يبعث إليهم برسول ينطق بوحي السماء ؟
* * * ثم انهار سدّ الجمود ، فجأةً انهار ، وعلى الأثر صحت الحياة .
فمن خلال باب « الصفا » من المسجد الحرام ، دلف « 1 » طيف بشري في هدوء ، كأنّما يمشي على الماء ، راح يخترق ملتقى النظرات ، كان ينفث الحركة وهو يسير ، ينفثها في الظلّ والنور ، في الأخيلة والعقول ، في الشخوص « 2 » والأشياء .
وكان كشعاع ، وكان يعوم في الضياء .
كما تمحو آية النهار آية الليل ، أحسّ القوم - مُذ لاح - أنّ طلعته أخذت تغسل ما في صدورهم من حقد وضغينة ، من رهبة وخوف ، من قلق وحيرة ، كيانهم كلّه استغرقه هذا الإحساس ، الذي كان يشعّه سمته المهيب .
كان الوثوق في خطواته ، وكان الجلال في محيّاه « 3 » ، وكانت الرحمة في وميض « 4 » عينيه .
الحبّ رفيقه ، اليُمن لصيقه ، في آثار قدميه كانت تنبت الطمأنينة ، الأمل كان يفرش طريقه .
لكأنّما الأمن كان الظلّ الذي يتبعه حين وقوفه ، وحين تلفّته ، وحين انطلاقه نحوهم من خلال الباب .
* * *
هامش
( 1 ) . دلف : دخل .
( 2 ) . شخوص : جمع شخص .
( 3 ) . المحيّا : الوجه ، قيل : سُمِّي بذلك لأنَّه يُخصّ بالذكر عند التسليم ، فيقال : حيّى اللَّه وجهك .
( 4 ) . الوميض : اللمعان الخفيف .