العيان بعد أن جال في متاهة الظنون ، كلّهم خشي أن يكون .
* * * وأسلموه القياد ، ثم ألقوا إليه السمع والبصر والفؤاد ، ثم تطلّعوا نحوه بترقّب محموم ، ومشاعرهم تموج بهم وتحوم في فلك دوّار ، حول كوكب سيّار .
تحلّقوه « 1 » كأنّهم سور ، التفّوا حوله التفاف سوار ، زاحموه على مواطئ قدميه ، أتلعوا « 2 » إليه الرقاب ، في ارتقاب .
حاولوا تفرّس « 3 » ما عسى أن تنمّ عنه عيناه ، تفرّس راصدٍ ومض نجوم غلّفتها الغيوم ، تعلّقوا بشفتيه حيارى ، حادسين هامسين .
أمّا هو فلم يضق بالزحام ، لم يبرم بالوجوم ، لم يبال بنظراتهم الشرهة التي راحت في توتّر واضطراب ، تزحف إليه مخالسةً ومتوجّسةً « 4 » من يمينٍ لشمال ، ومن شمالٍ ليمين .
لم يشب صفاء ذهنه إلحاحُهم عليه بلمح التشيّم والتوسّم ، ولا برنو التشوّف والاستطلاع ، إنّما تلقّاهم على هون وسكينة .
ومن خلال ما كان بهم من قلق الحدق وتحفّز الأسماع ، وتوفّز « 5 » الإحساس وبَهْر « 6 » ، نفذت إلى دخائلهم « 7 » نظراته كشعاع .
* * *
هامش
( 1 ) . تحلّقوه : أي داروا حوله ، فكانوا كالحلقة حوله .
( 2 ) . أتلع الرجل رقبته أو قامته : إذا مدّهما متطاولًا .
( 3 ) . تفرّس في الشيء : نظر وثبّت نظره فيه .
( 4 ) . مخالسةً ومتوجّسة : أي تنظر إليه مخاتلةً وحذراً ، وتتابع حركاته بخوفٍ وترقّب .
( 5 ) . التوفّز : التهيّؤ .
( 6 ) . بَهر الأنفاس : انقطاعها .
( 7 ) . الدخائل : جمع داخلة ودخيلة ، وهي النيّة والباطن .