ومع ذلك ناءت به الكواهل « 1 » ، ثقل الحمل ، ووهن الحامل .
وكيف لا يخالجهم هذا الشعور الذي تنفسح به رقعة الزمن إلى مدىً لا يطويه مقياس الإحساس ؟
إنّ الترقّب يمطّ « 2 » الوقت حتّى ليرقّ ويشفّ « 3 » ويبدو كفراغ ، وإنّ جَهْد التصبّر لاستقبال المجهول لجهد ثقيل ثقيل ، يعيي الاحتمال .
وعندما تتّسع الهوّة « 4 » الشعورية بين الواقع المنظور وبين المغيّب المنتظر يعيش الإنسان في فراغ ، وفي زمهرير الضياع ينثلج « 5 » الزمن ، ويصبح كصحراء من جليد ، بلا حدود ، سوى الهمود « 6 » .
* * * على هذه الصحراء الشعورية الممتدّة إلى ما وراء التخيّل ، غدا القوم كمن احتبسوا وراء أسوار من الجمود ، عند حافّتها تموت الأصوات ، وتذوب المرئيات .
كانوا كهائمين في بحر لجّي « 7 » بغير شاطئ ولا قرار ، كَمُدْلِجين « 8 » في ليلٍ ما له نهار .
بدوا كأشباح بلا أرواح ، كضلال بلا أصول .
لكأنّما كانوا يعيشون خارج الحياة ، ما من حركة ، ما من حدث ، ما من كلمة تهزّ ستر الهواء .
الظنون وحدها هي التي كانت تضطرب في هذا العالم المترامي الموات ، كانت
هامش
( 1 ) . ناءَ : أي عجز ، والكاهل : أعلى الظهر ممّا يلي العنق .
( 2 ) . مطّ الشيء مطّاً : أي مدّه .
( 3 ) . شَفَّ الشيء شفّاً وشُفوفاً وشَفيفاً وشَفَفاً : رقّ فظهر ما وراءه .
( 4 ) . الهوّة : ما انهبط من الأرض ، الجوّ الفاصل بين السماء والأرض .
( 5 ) . الزَمهرير : البرد القارس ، والانثلاج : التجمّد ، والتوقف عن الحركة والمتابعة .
( 6 ) . هَمَدت الأرض هُمُوداً وهمداً : لم يكن بها حياة ولا عود ولا نبت ولا مطر .
( 7 ) . لجّي : أي واسع .
( 8 ) . أدلج القوم إدلاجاً : ساروا الليل كلّه أو في آخره .