لنبراته المنظومة عذوبة الترتيل ، إيقاعها رتيب كهديل حمامة ، ألحانها مرحة كشَدْو هَزَار « 1 » ، نغماتها شجيّة « 2 » كترنيمة ناي « 3 » .
* * * بدّد رأي حذيفة غيومَ الضغينة ، مرّ على الهرج بالهدوء ، لوّن الوجوه بالصفاء .
فمن هنا تهامست طائفة من هذا الفريق : هذا هو الرأي .
ومن هناك تهاتفت أُخرى من ذاك : القول ما قال .
وفي صفوفهم جميعاً تردّدت لفظة : أصاب ، أصاب .
واستبقوا كافّة - بلحظ النواظر ، وحدس الخواطر - الباب ، وثبتوا ينتظرون .
* * * فكم تلبّثوا بموقعهم « 4 » آنذاك ؟
كم ساعةً ، كم يوماً ، دام الانتظار ؟ أشهراً ، أم عمراً ، أم دهراً كان ؟
في حساب مشاعرهم كان الانتظار أثقل من هذا كلّه وأطول بكثير ، كالجبل ثَقُل ، كالأبد طال .
أحسّوا به يجثم على الصدور ، فيسكن فيها الشهيق والزفير ، خالوه « 5 » مثل سور ، يحيط بهم إلى أقصى الأبعاد وأسحق المسافات ، تذوب عنده المرئيات ، وتتبدّدت المسموعات .
لكنّه ، في حقيقة الأمر ، لم يزد على لحظات .
هامش
( 1 ) . الشَدْو : الغناء والترنّم ، والهَزَار : ضرب من الطيور ، صغيرة الجثّة حسنة الصوت .
( 2 ) . شجيّة : أي حزينة .
( 3 ) . الناي : آلة من آلات الطرب ، يُنفخ فيها .
( 4 ) . تلبّثوا بموقعهم : أي توقفوا وظلّوا بمكانهم .
( 5 ) . خالَ خَيْلًا وخالًا وخَيْلةً وخَيَلاناً ومَخيلةً ومَخالًا الشيء : ظنّه .