عندئذٍ هزّتهم الصرخة ، فانبعثوا يصغون عن غير وعي ولا إرادة ، تلفتوا نحوه ، يرنون إليه « 1 » بعيون واسعة ، ثابتة الحملاق ، مشدودة الأهداب ، كأنّما أيقظهم من كابوس .
والتفّت به نظراتهم التفاف سوار ، حتّى إذا تبيّنوه من وسط هرج الزحام ، هتف منهم فريق ، كأنّما من عجبٍ دهشين : زاد الراكب ! وصاحت طائفة : حذيفة ! وقال آخرون : أبو أُمية !
* * * كما عَنَت له الأنظار عَنَت الأسماع .
كان عندهم ذا قدرٍ ومقامٍ ، كان مرجوّاً أيّ رجاء ، وكان ، كما دعوه ، كلّ تلك الأسماء ، فهو حذيفة أبو أُمية بن المغيرة ، وهو زاد الراكب .
وهو أسنّ قريش ، وأحكمها ، وأنداها كفّاً ولساناً ، أكبره عمره ، وأكبره قدره ، فأكبره قومه ووقّروه .
تمرّس طويلًا طويلًا بغِيَرِ الزمان ، ووعى العِبَر ، واستكنه أسرار الأخبار ، فتعلّم أن يكون خير مشير .
وفاق بسخائه وجوده الأسخياء الجياد ، فسمّاه الناس : زاد الراكب ، فما من جماعةٍ رافقته مرّة في سفر - قلّ عديدها أو كثر ، شرفت أقدار أفرادها أو هانت - إلّا سافروا لم يتزوّدوا من لدنهم بزاد ، إذ كان هو الذي يكفيهم جميعاً الزاد .
* * * وتحدّث الشيخ الحكيم ، فألقت إليه الجموع الزاخرة المشاعر والعيون والأسماع ، أصغوا إليه فكراً وعصباً وجارحةً ، تعلّقوا بشفتيه ، وسمعوه يقول : يا قوم ، يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم حكماً في الأمر الذي فيه تختلفون ، أوّل من يدخل من هذا
هامش
( 1 ) . يرنون إليه : ينظرون ويحملقون إليه .